مِن أعظمِ نعمِ الله تعالى على عبادِه أنْ جعل لهم مواسمَ تتجدَّدُ فيها معاني الإيمان، وتنتعشُ فيها الأرواحُ بذكر الرحمن، ويجتمعُ فيها الفرحُ بالطاعة مع السرورِ بالمِنَّة.
ومن أجلِّ تلك المواسم وأعظمها عيدُ الأضحى المبارك؛ ذلك اليومُ الذي تتجلّى فيه معاني العبودية، وتظهرُ فيه شعائرُ الإسلام، وتفيضُ فيه القلوبُ بالمحبّة والتراحم، وتتبادلُ فيه الألسنُ التهاني والدعوات الصادقة. 🌿
وليسَتِ التهنئةُ بالعيد مجرّدَ كلماتٍ تُقال، بل هي مظهرٌ من مظاهرِ الألفةِ الإيمانية، وصورةٌ من صورِ إدخالِ السرور على المسلمين، وربطِ القلوبِ بمعاني الأخوّة والمحبة في الله.
وفي زمنٍ كثرت فيه الرسائلُ العابرة، وغابت فيه حرارةُ المشاعرِ الصادقة عند كثيرٍ من الناس، نحتاج أن نستعيدَ معنى التهنئة الشرعية، وأن نُحييَ فرحةَ العيد كما أرادها الله، فرحةً بالطاعة، وشكرًا للنعمة، وإظهارًا لشعائر الإسلام. 🕋
وفي هذه الأجواء الروحانية الزاكية، وفي مطلع يوم النحر العظيم:
"كل عام وأنتم بخير، وتقبل الله منا ومنكم الطاعات وصالح الأعمال، يسرنا في أسرة «المصلي» أن نبارك لكم بقدوم عيد الأضحى المبارك، أعاده الله علينا وعليكم وعلى أمة الإسلام بالخير واليمن والبركات والسعادة الدائمة."
فرحةُ العيد إعلانٌ لشكرِ الله
الفرحُ بالعيد إعلانٌ لشكرِ الله، وإظهارٌ لنعمةِ إتمامِ الطاعة؛ وجاء يومُ الجائزةِ والسرور.
قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الْأَنْصَارِ، تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتِ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ... فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا»(1).
وعن أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنَّ النبي ﷺ قال: «لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة»(2)
لكنَّ المؤمنَ لا يفرحُ بالدنيا مجرّدًا، بل يفرحُ لأنَّ الله وفّقه للطاعة، وأعانه على العبادة، وأدخله في زمرةِ الذاكرين الشاكرين.
🤝التهنئة بالعيد… بناءٌ للألفة وصِلةٌ للقلوب
كم مِن قلبٍ ابتعد، فأعادته رسالةُ تهنئة!
وكم مِن رحمٍ انقطعت، فوصلها اتصالٌ صادق في يوم العيد!
وكم مِن مسلمٍ مهمومٍ أدخلت عليه كلماتُ التهنئة نورًا وسكينة!
إنَّ من مقاصدِ العيد العظيمة: إحياءُ صلةِ الأرحام، وتجديدُ المحبة، وإزالةُ ما في النفوس.
فاحرص أن تُهنّئ:
والديكَ وأهلَ بيتك.
أقاربكَ وأرحامكَ.
أصحابكَ وأحبابكَ.
من خاصمتَه لعلَّ العيدَ يكونُ بابَ صلحٍ ومغفرة.
الفقراءَ والمحتاجين بكلمةٍ تُشعرهم أنهم جزءٌ من فرحة الأمة.
🤲 ثانياً: سنن وآداب يوم العيد (منهاج السالكين يوم النحر)
لكي يعمر المسلم يوم عيده بالطاعات، ويصيب السنّة المطهرة بدقة، ينبغي له الإحاطة بآداب وسنن هذا اليوم المبارك، ومن أهمها:
الاغتسال والتطيّب والجمال:
يُسن الاغتسال والتنظف قبل الخروج للصلاة، ولبس أحسن الثياب للرجال، استناناً بفعل الصحابة الكرام، وتعظيماً لشأن الجمع الغفير من المسلمين.
التكبير والتهليل والتحميد:
وهو شعار هذه الأيام الفاضلة.
الإمساك عن الطعام حتى صلاة العيد:
يُسن في عيد الأضحى ألا يطعم المسلم شيئاً حتى يرجع من صلاة العيد، فيأكل من أضحيته إن كان قد ضحى، بخلاف عيد الفطر الذي تُسن فيه المبادرة بتناول التمرات قبل الصلاة.
فعن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ»(3)
شهود صلاة العيد في المصلى:
الخروج لصلاة العيد مع جماعة المسلمين، ومشاركة البهجة والدعاء، واستماع للخطبة والانتفاع بمواعظها.
مخالفة الطريق:
الذهاب إلى الصلاة من طريق والرجوع من طريق آخر؛ اتباعاً لهدي النبي ﷺ وتكثيراً لشهود الطاعة من بقاع الأرض ومواضع الخطى، وإلقاءً للسلام على أكبر قدر من المسلمين.
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ»(4)
ذبح الأضحية وتقسيمها:
ويكون وقت الذبح بعد الفراغ من صلاة العيد، ويمتد إلى غروب شمس آخر أيام التشريق (الثالث عشر من ذي الحجة). ويُسن أن يأكل منها ويُهدي لأقاربه ويتصدق على الفقراء والمساكين.
التوسعة على الأهل بالمعروف والصلة:
اجعل أيام العيد أيام فرح وتآلف وتكامل اجتماعي.
عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ.» (5)
⚖️ثالثاً: ميثاق المحبة والتحلل من المشاحنات (طهارة القلوب في العيد)
إن البهجة الحقيقية والقبول الرباني لا يكتملان والقلوب مثقلة بالغل والحسد والقطيعة. كيف يُرفع عمل امرئ يرجو التقرب بالأضحية وقربان الطاعة وهناك خصام يشق جدار المحبة والوئام؟
وقفة محاسبة وذكرى للمؤمن:
اجعل من تهنئتك بالعيد مصافحة بيضاء تعلن توبةً صريحةً وتجرداً تاماً من حظوظ النفس والشيطان:
بادر بصلة من قطعك، واعفُ عمن ظلمك، واعلم أن المبادر بالصلة والسلام هو الأعظم درجة والأنقى سريرة عند الله تعالى.
عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: « لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ . (6)»
عوّد لسانك على التهنئة الصادقة بالقبول، مقتدياً بصحابة الرسول ﷺ؛ فعن جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا الْتَقَوْا يَوْمَ الْعِيدِ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ»
ختاماً:
نسأل الله سبحانه أن يتقبل من الأمة الإسلامية طاعاتها، وأن يجعل هذا العيد مبدداً للهموم والأحزان، ومبعثاً للنصر والتمكين والأمان والرخاء. وكل عام وأنتم إلى الله أقرب وعن معاصيه أبعد.
تقبّل اللهُ مِنَّا ومنكم صالحَ الأعمال، وجعل عيدَنا وإيّاكم عيدَ بركةٍ ومغفرةٍ وفرحٍ بطاعة الله.
هل انتفعت بالفائدة؟ 🌿
شارك التهنئة والفائدة؛ فالدال على الخير كفاعله. وصلّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________
(1) صحيح البخاري (952)، وصحيح مسلم(892).
(2) (حسن) مسند أحمد (25962)
(3) (صحيح) سنن الترمذي (542)
(4) صحيح البخاري (986).
(5) صحيح مسلم (1141)
(6) صحيح البخاري (6077)، وصحيح مسلم (2560).








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy