يا شهر رمضان ترفّق، دموع المحبين تدفق، قلوبهم من ألم الفراق تُشقق، عسى وقفة للوداع تطفئ من نار الشوق ما أُحرق، عسى منقطعٌ عن ركب المقبولين يلحق، عسى أسير الأوزار يُطلق، عسى من استوجب النار يُعتق.
أرأيتم لو أن ضيفًا عزيزًا ووافدًا كريمًا حبيبًا حلَّ في ربوعكم، ونزل بين دياركم، وغمركم بفضله وإحسانه، وأفاض عليكم من بره وامتنانه.. أحبكم وأحببتموه، وألفكم وألفتموه.. حتى إذا تعلقتم به، ثم حان وقت فراقه، وقربت لحظات وداعه، فبماذا عساكم مودعوه؟ وبأي شعور أنتم مفارقوه؟
ها هي أمة الإسلام تودع شهر رمضان، رمضان الذي كنا بالأمس القريب نستقبله، وها نحن وبهذه السرعة نودعه، مرَّ علينا وكأنه دقائق أو بضع ساعات، وكأني بك تسمع قول الله وهو يحذر المؤمنين من الفوات ويستحثهم على اغتنام الأوقات؛ فيقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ} [البقرة:183-184]. ومرت الأيام المعدودات وكأنها غمضة عين أو ومضة برق، ولم يبق إلا سويعات وإنها والله مصيبة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
نعم، يحزن القلب على فراق رمضان؛ فنحن لا ندري هل سندركه من جديد أم ينتهي العمر، ونحن نودع شهرنا الكريم كان لا بد لنا من همسات نهمس بها في أُذُنِ كل مسلم، أسمَيْتُها همسات في وداع رمضان، ونسأل الله العونَ والتوفيقَ، والقبول والإخلاص؛ إذ لا حول ولا قوة إلا بالله.
الهمسة الأولى تقول:
تذكَّر رحيلك من الدنيا، تذكَّر أيها الصائم وأنت تودِّع شهرك سرعةَ مرور الأيام، وانقضاء الأعوام؛ فإن في مرورها وسرعتها عِبرةً للمعتبرين، وعِظةً للمتَّعِظين؛ قال عز وجل: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [النور: 44].
الهمسة الثانية تقول:
إياكم أن تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا، بئس القوم قوم لا يعرفون الله إلا في رمضان، فإذا انسلخ رمضان، كان عيدهم إضاعة للواجبات، ونومًا عن الصلوات، ومقارفة للمعاصي والمنكرات.
فيا من صام لسانه في رمضان عن الغِيبة والنميمة والكذب، واصِلْ مسيرتك، وجدَّ في الطلب، ويا من صامت عينه في رمضان عن النظر المحرم، غضَّ طرفك ما بقِيتَ، يُورِث الله قلبك حلاوة الإيمان ما حييت، ويا من صامت أذنه في رمضانَ عن سماع ما يحرُم من القول، وما يُستقذر من سماع غِيبة، أو نميمة، أو غناء، أو لهو، اتَّقِ الله ولا تعُدْ.
الهمسة الثالثة تقول:
القَبولَ القَبول؛ فقد مضت الأعمال، والصيام، والقيام، والزكاة، والصدقة، وختم القرآن، والدعاء، والذكر، وتفطير الصائم، وأنواع البر التي حصلت، والعمرة التي قام بها الكثير، لكن هل تُقبِّلت أو لا؟ هل قُبِل العمل أو لا؟ يقول الله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27].
وقال عبدالعزيز بن أبي رواد رحمه الله: «أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهمُّ أيُقبَل منهم أم لا»(1).
الهمسة الرابعة تقول:
الاستغفار، وهو من أجلّ القربات، وأنفعِ الطاعات، وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار يأمرهم بختم رمضان بالاستغفار وصدقة الفطر فإن الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث والإستغفار يرقع ما تخرق من الصيام باللغو والرفث(2).
السَّلامُ عليكَ يا شهرَ رمضانَ، السلامُ عليكَ يا شهرَ الصيام والقيام وتلاوةِ القرْآنِ، السلامُ عليك يا شهر التجاوز والغفرانِ، السلامُ عليك يا شهر البركةِ والإحسانِ، السلامُ عليك يا شهرَ التحفِ والرضوانِ، السَّلامُ عليكَ يا شهرَ الأمان، كنت للعاصين حبسًا، وللمُتقينَ أنْسًا، السلامُ عليكَ يا شهرًا يتسابقُ فيه المتقون، السلامُ عليكَ من فؤادٍ لفِراقِكَ محزُون.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبل منا الصيام والقيام وقراءة القرآن، وأن يُشفع فينا الصيام والقرآن، وأن يجعلنا من أهل باب الريان، اللهم آمين.
وصل اللهم على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
شارك الفائدة مع أحبابك، فالدال على الخير كفاعله.
____________________
(1) لطائف المعارف، لابن رجب، ص:209.
(2) المصدر السابق، ص:214.








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy