حمل المصلي الآن
مدونة المصلي >> رمضان

ليلة القدر.. سباق إلى الجنة

ليلة القدر.. سباق إلى الجنة
2026‏/03‏/13
45٬136

 

ها هي ليالي العشر الأواخر قد أقبلت بأنوارها، تحمل في طياتها أعظم فرصةٍ يتطلع إليها المؤمنون، وتشتاق إليها القلوب الصادقة؛ ليلةٌ عظيمةٌ اختصها الله بفضلٍ لا يدانيه فضل، وحسْب هذه العَشْر فضلاً وشرفًا: أن خصَّها الله بليلة القدر، التي تَفْضُل العبادة فيها عبادة ألف شهر، ليلة تجري فيها أقلام القضاء والتقدير، بإسعاد السعداء، وشقاوة الأشقياء، ورفعة منازل الأبرار، وخفض درجات الفجَّار، إنها ليلة الشرف العظيم، فيها يفرق كل أمر حكيم، فهي حَرِيَّة بالتعظيم والتكريم.

وفي هذه الليالي المباركة كان النبي ﷺ يشدّ مئزره، ويحيي ليله، ويوقظ أهله؛ طلبًا لفضل الله وحرصًا على إدراك هذه الليلة المباركة. 

ومن هنا كانت الحاجة إلى التذكير بفضل هذه الليلة، والتنبيه إلى اغتنامها بالطاعة والذكر والدعاء، حتى لا تمرّ على العبد وهو غافلٌ عنها، فيندم حين لا ينفع الندم.

فضل ليلة القدر

ليلة القدر أفضل الليالي، والعمل الصالح فيها خير من العمل الصالح في ألف شهر ليس فيه ليلة القدر، قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)﴾ القدر: 3-5. 

قال القرطبي: «أي تهبط من كل سماء، ومن سدرة المنتهى.. فينزلون إلى الأرض ويؤمنون على دعاء الناس، إلى وقت طلوع الفجر»(1)، وتنزّلُ الملائكة والروح في ليلة القدر بالرحمة بأمر الله تعالى وبكل أمر قدره الله وقضاه في تلك السنة إلى القابلة.

{سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}. أي: أن ليلة القدر سلامة وخير كلها لا شر فيها إلى طلوع الفجر. والليل (يبدأ من غروب الشمس وينتهي عند أذان الفجر) 

وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ الدخان: 3-4.

مغفرة الذنوب لمن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.» (2). 

ومعنى إيمانًا: تصديقًا بوعد الله بالثواب عليه، ومعنى احتسابًا: طلبًا للأجر لا لقصد آخر؛ كالرياء والسمعة، وغيرهما.

ومَنْ منَّا يا عباد الله من لا تتطلع نفسه إلى هذا الجزاء العظيم، والفيض العميم، والتخلُّص من تبعات الذنوب؟

وقيام ليلة القدر إنما يكون بالتهجُّد فيها والصلاة والدعاء.

إحياء ليلة القدر:

«كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ» (3). طالبًا ليلة القدر. وإحياء هذه الليلة يكون بالصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، وغير ذلك من سائر الطاعات.

موعد ليلة القدر

هذه الليلة ليلة عظيمة مباركة، وهي في العشر الأواخر تنتقل فيها كما يريد الله تعالى في العشر الأواخر، وأرجاها في الليالي الوترية من العشر (ليالي 21، 23، 25، 27، 29).

 فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «‌تَحَرَّوْا ‌لَيْلَةَ ‌الْقَدْرِ ‌فِي ‌الْوِتْرِ، ‌مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» (4).

وردت أحاديث تحددها في ليالي مختلفة، مما يدل على أنها ليست ثابتة في ليلة واحدة كل عام، ومن ذلك:

أنها وقعت ليلة إحدى وعشرين:

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ «كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتَكَفَ عَامًا، حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ، قَالَ: مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ، وَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ، فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ، فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ، مِنْ صُبْحِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ.»(5). 

 فوكف المسجد: أي قطر ماء المطر من سقفه.

وفي السبع الأواخر آكد

وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ أُروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله ﷺ: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ».(6).

 ومما يدل على أنها وقعت ليلة ثلاث وعشرين: 

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا وَأَرَانِي صُبْحَهَا أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ، قَالَ: فَمُطِرْنَا لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَانْصَرَفَ، وَإِنَّ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ» (7). 

ومما يدل على أنها ليلة السابع والعشرين: 

عَنْ زِرٍّ قَالَ: « سَمِعْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ: وَاللهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ، هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقِيَامِهَا. هِيَ لَيْلَةُ صَبِيحَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا »(8). 

ومما يدل على أنها آخر ليلة: 

عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «‌الْتَمِسُوا ‌لَيْلَةَ ‌الْقَدْرِ ‌فِي ‌آخِرِ ‌لَيْلَةٍ»(9). 

والسبب في اختيار هذا القول هو الجمع بين الأحاديث التي وردت في تحديدها في ليالٍ مختلفة من شهر رمضان عامة ومن العشر الأواخر خاصة، فلا طريق للجمع بين تلك الأحاديث إلا بالقول بأنها متنقلة(10). 

قال الحافظ ابن حجر: «‌وأرجحها ‌كلها ‌أنها ‌في ‌وتر ‌من ‌العشر ‌الأخير وأنها تنتقل كما يفهم من أحاديث هذا الباب، وأرجاها أوتار العشر، وأرجى أوتار العشر عند الشافعية ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين.. وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين». وقال: «الحكمة في إخفاء ليلة القدر ليحصل الاجتهاد في التماسها، بخلاف ما لو عينت لها ليلة لاقتصر عليها» (11).

دعاء ليلة القدر:

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيَّ لَيْلَةٍ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ ‌تُحِبُّ ‌الْعَفْوَ ‌فَاعْفُ ‌عَنِّي» (12).

علامات ليلة القدر:

ولليلة القدر علامات تُعرف بها، ومن هذه العلامات:

  1. أنها ليلة مضيئة، فعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةٌ بَلَجَةٌ، لا حَارَّةٌ وَلا بَارِدَةٌ، وَلا يُرْمَى فِيهَا بِنَجْمٍ(13). 

  2. أن ليلتها معتدلة، لا حارة ولا باردة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: لَيْلَةٌ طَلْقَةٌ، لا حَارَّةٌ وَلا بَارِدَةٌ، تُصْبِحُ الشَّمْسُ يَوْمَهَا حَمْرَاءَ ضَعِيفَةً. (14).

  3. أن الشمس تطلع في صبيحتها لا شعاع لها. لحديث «‌أَنَّهَا ‌تَطْلُعُ ‌يَوْمَئِذٍ ‌لَا ‌شُعَاعَ ‌لَهَا» (15).  

هل يشترط العلم بليلة القدر لنيل فضلها؟ 

لا يشترط لنيل فضلها العلم بها، بل يستحب التعبد لله -تعالى- في هذه العشر؛ حتى يحوز الفضيلة، فإن وافقها نال فضلها، وإن لم يعلم أنها ليلة القدر. وهذا هو الصحيح المفهوم من الأحاديث، والله أعلم (16). 

الخاتمة:

فاغتنم هذه الليالي بالصلاة والقرآن والذكر والدعاء، وأكثر فيها من سؤال الله العفو والمغفرة، واقتدِ بهدي النبي ﷺ الذي كان يجتهد فيها اجتهادًا عظيمًا.

وتذكّر أن ليلةً واحدةً قد تكون سببًا في مغفرة ذنوبك، ورفعة درجاتك، وتبدّل حالك إلى خيرٍ عظيم؛ فالسعيد من وفّقه الله لقيامها إيمانًا واحتسابًا، والخاسر من مرّت عليه هذه الليلة وهو في غفلةٍ أو تقصير.

نسأل الله أن يبلّغنا ليلة القدر، وأن يعيننا على اغتنامها، وأن يجعلنا فيها من المقبولين الفائزين.

شارك هذه الفائدة مع من أحببت، فالدالّ على الخير كفاعله.

«سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ».

وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

هل انتفعت بالفائدة؟!

(1) تفسير القرطبي (20/ 133).

(2) صحيح البخاري (1901)..

(3) صحيح البخاري (2024)، ومسلم (1174). 

(4) صحيح البخاري (2017).

(5) صحيح البخاري (2027) واللفظ له ومسلم (1167).

(6) صحيح البخاري (2015)، وصحيح مسلم (1165).

(7) صحيح مسلم (1168).

(8) صحيح مسلم (762).

(9) (صحيح) صحيح ابن خزيمة (2189). 

(10) الفقه الميسر (3/ 98)

(11) فتح الباري لابن حجر (4/ 266).

(12) سنن الترمذي (3513) وقال هذا حديث حسن صحيح.

(13)  (حسن) صحيح الجامع (5472).

(14) (صحيح) صحيح الجامع (5475). 

(15) صحيح مسلم (762).

(16) الفقه الميسر (3/ 98).

بحث

الأكثر تداولاً

مقالات متعلقة

2026‏/03‏/06
41٬097

قيام الليل فضائل عظيمة وثمرات جليلة

قيام الليل دأب الصالحين عبر القرون

2026‏/03‏/08
45٬195

هدي النبي ﷺ في العشر الأواخر من رمضان

إذا أقبلت العشر الأواخر من رمضان أقبل معها موسمٌ عظيم من مواسم الطاعة، تتضاعف فيه الهمم، وتسمو فيه الأرواح.

2026‏/03‏/09
50٬580

أحكام الاعتكاف في رمضان

الاعتكاف عبادة عظيمة خصها الله تعالى في الإسلام بمقام رفيع،

مع تطبيق المصلي تعرف على المساجد القريبة أينما كنت بمنتهى الدقة

حمل المصلي الآن

مدار للبرمجة © 2025 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة

Powered by Madar Software