رمضان شهر الجود وشهر السخاء؛ فالنفوس فيه تميل إلى الكرم بفطرتها، وتوسع فيه على الغير رجاء أن يوسع الله عليها، وتشمل المحتاجين بالإحسان طمعًا في أن يشملنا الله بإحسانه الأهم، وتندفع بقوة نحو فعل الخير بعد تصفيد الشياطين، فتنبعث إلى ما يزكيها ويطهرها من شحها.
ولنا في رسول الله ﷺ الأسوة الحسنة، فقد كان حاله في هذا الشهر عجبًا في البذل والعطاء، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ»(1).
وقد بيّن الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم أن أجر الصدقة يتضاعف، بحسب النية والإخلاص، فقال: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:261]، فكيف إذا اجتمعت فضيلة الصدقة مع شرف شهر رمضان الذي هو شهر الجود والكرم؟!
عبدي أنفق أُنفق عليك:
إن الكريم سبحانه حينما دعا عباده للإنفاق والصدقة وعدهم بأنه سيخلف عليهم، وقد جاءت آية سورة سبأ مقررة ذلك في أبهى وأوضح صورة، قال تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ:39].
وقد وكَّل الحق تبارك وتعالى ملكين يدعوان كل يوم للمنفق بأن يخلف الله عز وجل عليه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا»(2).
فيا عبدَ الله، إنما هي أيامٌ معدودات، تمرُّ مرَّ السحاب، ويبقى أثرُ ما قدَّمتَ فيها بين يدي الله لا يضيع، وما الصدقة التي تبذلها إلا وديعةٌ تعود إليك أضعافًا، إمّا في سعةٍ يعجّلها الله لك، أو في بركةٍ تخفى، أو في أجرٍ مدَّخرٍ ليومٍ أنت أحوج ما تكون إليه، {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11)} [المنافقون:10-11].
فاجعل يدك مبسوطةً بالعطاء، وقلبك معلقًا بالسماء، وازرع في هذه الأيام ما تحب أن تحصده غدًا، وتذكر أنه ما نقص مالٌ من صدقة، ولكنها زيادةٌ في القرب، وطمأنينةٌ في القلب، وبابٌ يُفتح لك من حيث لا تحتسب… {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ}.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا من عتقائه من النار في هذا الشهر الكريم ومن المقبولين.
وصلى الله على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
شارك الفائدة مع غيرك؛ فالدال على الخير كفاعله.
_______________
(1) رواه البخاري (6)، ومسلم (2308).
(2) رواه البخاري (1442)، ومسلم (1010).








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy