إنَّ الدعاء في ميزانِ الشريعةِ ليس مجرَّدَ كلماتٍ تُتلى، ولا عباراتٍ تُردَّد، بل هو عبادةٌ جليلةٌ تُعبِّرُ عن حقيقةِ العبوديةِ، وتُجسِّدُ افتقارَ العبدِ إلى ربِّه، وانكسارَه بين يدي خالقِه.
وإذا كان الدعاءُ مشروعًا في كلِّ زمان، فإنَّ له في رمضانَ شأنًا أعظم، ومكانةً أرفع؛ لأنَّه شهرُ القُربِ والإنابة، وشهرُ تصفيدِ الشياطين، وفتحِ أبوابِ الجنان، وتضاعفِ الحسنات، وتُعتق الرقاب من النار.
ولهذا جاء ذكرُ آيةِ الدعاءِ في سياقِ آياتِ الصيام، إشارةً بديعةً إلى أنَّ الصائمَ أقربُ ما يكونُ إلى ربِّه حالَ صومِه، وأنَّ شهرَ الصيامِ ميدانٌ رحبٌ للدعاءِ والضراعة.
كرامة الدعاء في شهر رمضان
ومن كرامة الشهر الكريم، أن تكرم الله علينا فيه بإجابة الدعاء، ولكرامة الدعاء على الله تعالى قال سبحانه: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُم يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة : ١٨٦] فاستجابة الدعاء تكريم فوق تكريم في الشهر الكريم.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الدُّعَاءِ»(1)
فأنت في شهر الكرم تتعبد بأكرم عبادة لرب موصوف بالكرم.
قال ابن عاشور: «وفي هذه الآية إيماء إلى أن الصائم مرجو الإجابة، وإلى أن شهر رمضان مرجوة دعواته، وإلى مشروعية الدعاء عند انتهاء كل يوم من رمضان.(2)»
فلا تعجز عن طرق بابه، واستكثر من إعادة القرع، وأنِخْ مطاياك بباب الحَيِيِّ الذي يستحيي أن يرد صفرًا من يمد إليه يديه.
إن الله سبحانه وتعالى كريم، يحب أن يُسأل، ويغضب إن لم يُسأل.
عن سلمان قال: قال رسولُ الله ﷺ: «إنَّ ربكُم حَييٌ كريمٌ يستحيي مِنْ عبدِه إذا رَفعَ يَدَيهِ إليه أن يَرُدهما صِفْراَ»(3)
فحريٌّ بالمؤمنِ أن يُكثِرَ من الضراعةِ والابتهالِ، مستيقنًا أنَّه بين يدي ربٍّ كريمٍ.
لذة الدعاء في الصيام.
للدعاءِ في الصيام لذَّةٌ لا يذوقُها إلا المتضرِّعون إلى الله قبيلَ الإفطار، والمنكسرون في الأسحار، والباكون في أدبار الأوتار؛ إذ يستشعرون قربَ ربِّهم، ويطمعون في إجابةِ مولاهم القريب، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]، فجاءت آيةُ الدعاءِ في سياقِ آياتِ الصيام؛ تنبيهًا إلى أنَّ التقوى تُثمرُ إقبالًا صادقًا على الله.
ومع توالي أيَّام رمضان يزدادُ المحبُّون دعاءً، فيزدادون خيرًا؛ فيغدو الشهرُ شهرَ دعاءٍ كما هو شهرُ قرآنٍ وصبرٍ وإحسان.
ولِمَ الاجتهادُ في الدعاءِ حالَ الصيام؟
لماذا ينبغي للمجتهدين أن يجتهدوا في الدعاء أثناء الصيام وبعده؟
إنهم يجتهدون لأجل جائزة خاصة بالداعين من الصائمين، وهي أن الله يخصهم بألا يرد دعاءهم، جزاء لهم على الاحتساب في صيامهم .
دعوة الصائم لا ترد
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ: «ثَلاثةٌ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهمْ: الصَّائمُ حتَّى يُفْطِرَ ..(4)»
محبَّةُ اللهِ للدُّعاءِ وعظيمُ منزلتِه
إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ مَن دعاه، ولذلك أمرَ بالدعاءِ، وهو سبحانه لا يأمرُ إلا بما يُحِبّ، فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60].
فماذا لو كان هذا الدعاء قد عطره طيب خُلوفك وأنت صائم، أو أضاءته قناديل قلبك الساجد بين يدي الكريم الجَوَاد الودود في الثلث الأخير من الليل وهو يتودَّدُ لعباده ليستغفروه؟!
لم لا نستغل كرم الكريم، وننكسر بين يديه، ونقبل على عطائه وقد فتح لنا أبوابه وهيأ لنا خزائنَ جوده في كل آنٍ وحين.
والدعاء من أجل القربات وأعظم الطاعات، وهو أكرم شيء على الله، ومن أعظم أسباب دفع البلاء قبل نزوله، ورفعه بعد نزوله، كما أنه سبب لانشراح الصدر، وتفريج الهم، وزوال الغم، وهو مفزع المظلومين، وملجأ المستضعفين.
الدعاء عبادةٌ نتقرَّب بها إلى الله:
لأنه جمع مقاصدها. فعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ، {قَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] (5)
فسبحان الله العظيم، جعل سؤال عبده لحوائجه وما يصلحه في الدنيا والآخرة عبادة، وأمر العبد به، واعتبر الذين لا يدعونه عز وجل ولا ينزلون حوائجهم به مستكبرين، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]
الدعاءُ يردُّ عنك المصائب:
من رحمة الله أنه لا يضيع دعاء عباده، فإما أن يستجيب لهم، أو يدخره لهم في الآخرة، أو يصرف عنهم من السوء مثله.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيَّ ﷺ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو، لَيْسَ بِإِثْمٍ وَلَا بِقَطِيعَةِ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ إِحْدَى ثَلَاثٍ:
1- إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ،
2- وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ،
3- وَإِمَّا أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا".
قَالَ: إِذًا نُكْثِرُ! قَالَ: "الله أكثر".»(6).
رأى أحد العلماء رجلاً يتردد على أحد الملوك، فقال له: يا هذا! تذهب إلى من يسد دونك بابه، ويظهر لك فقره، ويخفي عنك غناه، وتدعُ من يفتح لك بابَه ويظهر لك غناه، ويقول: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر:60].
لذا، ينبغي للمسلم أن يغتنم هذا الشهر المبارك بالإلحاح في الدعاء، ولنجعل قلوبنا متعلقة بالله، سائلين منه الرحمة والمغفرة والنجاة من النار.
ومن التضرع في الدعاء كثرة الإلحاح والتكرار، وألا تتبرم إذا أبطأت عليك الإجابة؛ فإن الله يستجيب لعبده ما لم يعجل، ويقول دعوت فلم يستجب لي، فيستحسر حينئذ ويدع الدعاء.
التزام أدعية القرآن الكريم، وما ورد من جوامع أدعية النبي ﷺ؛ فإنها خير الدعوات وأحبها إلى الرب سبحانه، فإن النبي ﷺ قد أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارا.
بفضل الله تعالى أطلق المصلي باقةً من الخصائص الإيمانية المعينة على التزوّد من الطاعات، ومن أبرزها خاصية الدعاء؛ لتكون رفيقك في لحظات الرجاء والافتقار إلى الله، ودليلك إلى أبواب الإجابة.
هل جربت خاصية الدعاء بعد التحديث؟
شاركنا رأيك ومشاعرك في التعليقات؛ فملاحظاتك تسهم في تطوير المحتوى الإيماني وخدمة جمهور المصلي.
فاللهم إنا نسألك باسمك الأعظم الذي إذا سئلت به أعطيت وإذا دعيت به أجبت أن تعطينا سؤلنا كله، وتغفر لنا ذنبنا كله، وتمن علينا بالرضى كله ... آمين)
نسأل الله أن يتقبّل منا ومنكم صالح الأعمال والدعوات، وأن يجعلنا من عتقائه من النار في هذا الشهر الفضيل.
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
انشر تؤجر.
هل انتفعت بالفائدة.
(1) (حسن) سنن الترمذي (3370)
(2) تفسير ابن عاشور (2/ 179)
(3) (صحيح) سنن أبي داود (1488)، والترمذي (٣٥٥٦) ، وابن ماجه (٣٨٦٥).
(4) (حسن)سنن الترمذي (3915) وقال «هذا حديث حسن»، وابن ماجه (1752).
(5) (صحيح): سنن أبي داود (1479) وابن ماجه (3828) والترمذي (3528).
(6) (صحيح): صحيح الأدب المفرد (550).








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy