إن اللهَ عز وجل شرعَ لنا آدابا نتأدب بها عند صيامنا، ومن هذه الآداب:
الأدب الأول: تعجيل الفطر إذا تحقق من غروب الشمس.
فتلك سنة رسول الله ﷺ، أنه كان يؤخر السحور قبل الفجر، ويعجل بالفطر بعد المغرب.
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: « لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ.(1)»
من فوائد الحديث
قال النووي: فيه الحث على تعجيله بعد تحقُّق غروب الشمس، ومعناه لا يزال أَمْرُ الأمة مُنتظمًا وهم بخير ما داموا محافظين على هذه السنة، وإذا أخّروه كان ذلك علامة على فسادٍ يَقَعون فيه.
بقاء الخير في الناس بسبب اتباعهم للسنة، وفساد الأمور يتعلق بتغيُّر السنة.
مخالفة أهل الكتاب وأهل البدع، فإنهم يؤخِّرون الإفطار.
قال ابن حجر: وفيه بيان العلة في ذلك، قال المُهَلّب: والحكمة في ذلك أن لا يُزاد في النهار من الليل، ولأنه أرفق بالصائم وأقوى له على العبادة، واتفق العلماء على أنّ مَحَلّ ذلك إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية أو بإخبار عَدْلَين، وكذا عدل واحد في الأرجح.
قال ابن حجر: تنبيه: من البدع المنكرة ما أُحْدِث في هذا الزمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، وإطفاء المصابيح التي جعلت علامة لتحريم الأكل والشرب على من يريد الصيام زعمًا ممن أحدثه أنه للاحتياط في العبادة، ولا يعلم بذلك إلا آحاد الناس، وقد جَرَّهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذِّنون إلا بعد الغروب بدرجة لتمكين الوقت زعموا، فأخروا الفطر، وعجلوا السحور، وخالفوا السنة، فلذلك قَلَّ عنهم الخير وكثر فيهم الشر، والله المستعان.
الأدب الثاني: الفطر على رطبات بعد الغروب مباشرة:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتُمَيْرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُمَيْرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ»(2)
الأدب الثالث: استحباب الدعاء بالمأثور عند الفطر:
عن ابن عمرَ رضي الله عنهما قال: «كان رسولُ الله ﷺ إذا أفطر قال: ذهب الظمأ وابتلَّت العُرُوقُ وثبتَ الأجر إن شاء اللهُ»(3).
الأدب الرابع: استحباب تفطير الصائمين:
عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا»(4).
الأدب الخامس: عدم ترك السحور.
عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَسَحَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً.(5)»
الحديث دليل على أن الصائم مأمور بالسحور لأن فيه خيراً كثيراً وبركة عظيمة دينية ودنيوية، وذكره للبركة من باب الحض على السحور، والترغيب فيه.
والسَّحور بفتح السين ما يؤكل في وقت السحر، وهو آخر الليل، وبضم السين (السُحور) أكل السحور.
وعَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: « مَنْ أَرَادَ أَنْ يَصُومَ، فَلْيَتَسَحَّرْ بِشَيْءٍ»(6).
وهذا الأمر في الحديث أمر للاستحباب.
فضل السحور
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ، فَلَا تَدَعُوهُ وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّ اللهَ عز وجل وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ»(7).
في السحور بركة عظيمة تشمل منافع الدنيا والآخرة.
فمن بركة السحور التقوي على العبادة، والاستعانة على طاعة الله تعالى أثناء النهار من صلاة وقراءة وذكر، فإن الجائع يكسل عن العبادة كما يكسل عن عمله اليومي وهذا محسوس.
ومن بركة السحور مدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع، فالمتسحر طيب النفس حسن المعاملة.
ومن بركة السحور أنه تحصل بسببه الرغبة في الازدياد من الصيام لخفة المشقة فيه على المتسحر، فيرغب في الصيام.
ومن بركة السحور إتباع السنة، فإن المتسحر إذا نوى بسحوره امتثال أمر النبي ﷺ والاقتداء بفعله كان سحوره عبادة.
ومن بركة السحور أن الإنسان يقوم آخر الليل للذكر والدعاء والصلاة وذلك مظنة الإجابة ووقت صلاة الله والملائكة على المتسحرين.
ومن بركة السحور أن فيه مخالفة لأهل الكتاب والمسلم مطلوب منه البعد عن التشبه بهم.
ومن بركة السحور صلاة الفجر مع الجماعة، وفي وقتها الفاضل، ولذا تجد أن المصلين في صلاة الفجر في رمضان أكثر منهم في غيره من الشهور.
ويحصل السحور بأقلَّ ما يتناوله الإنسان من مأكول أو مشروب، فلا يختص بطعام معين .
الأدب السادس: جعل التمر في السحور:
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: «نِعْمَ سَحُورُ المُؤمِنِ التَّمْرُ»(8)
الأدب السابع: تأخير السحور قبيل الفجر.
عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قُلْتُ كَمْ كَانَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالسَّحُورِ قَالَ قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً».(9)
وتعجيل السحور من منتصف الليل جائز لكنه خلاف السنة، فإن السحور سمي بذلك لأنه يقع في وقت السحر وهو آخر الليل.
«عن أبي عطية قال: قلتُ لعائشة: فينا رَجُلانِ من أصحاب النبي ﷺ، أحدهما يُعجِّل الإفطار ويُؤخِّرُ السُّحور، والآخَرُ يُؤخِّرُ الإفطار ويُعجِّلُ السُّحور. قالت: أيُّهما الذي يُعجِّلُ الإفطار ويُؤخِّرُ السُّحور؟ قلت: عبد الله بن مسعود. قالت: هكذا كان رسولُ الله ﷺ يصنَعُ»(10).
الأدب الثامن: عدم الشبع:
عَنْ مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ. بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ»(11)
الأدب التاسع: حفظ اللسان والجوارح:
فعلى الصائم أن يحفظ لسانه، من كل لغو ورفث، وأن يجنب صومه الزلل واللمم، حتى يُرفع صومه إلى ربه ليس فيه ما ينقص أجره، فإطلاق العنان للسان في الصيام، لا شك أنه يقلل من أجر الصيام.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ.(12)»
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: « إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا، فَلَا يَرْفُثْ، وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ، أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ »(13)
اللهم إنا نسألك من خير ما سألك منه نبيك محمد ﷺ ونعوذ بك من شر ما استعاذ منه نبيك محمد ﷺ وأنت المستعان، وعليك البلاغ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
شارك هذه الفائدة مع من أحببت، فالدالّ على الخير كفاعله.
«سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ».
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
هل انتفعت بالفائدة؟!
________________________________________
(1) صحيح البخاري (1957) ومسلم (1098)
(2) (حسن) سنن الترمذي (696)، وقال: «حسن غريب» وسنن أبي داود (2356).
(3) (حسن) سنن أبي داود (2357)
(4) (صحيح) سنن الترمذي (807)، وقال: «حسن صحيح.
(5) صحيح البخاري (1923)، ومسلم (1095).
(6) (حسن) مسند أحمد (14950)و (15051).
(7) (صحيح) مسند أحمد (11086)
(8) (صحيح) سنن أبي داود (2345)
(9) صحيح البخاري (1921)، ومسلم (1097).
(10) (حسن) رواه أحمد (25399)، والنسائي (2158، 2159) بسند حسن.
(11) (حسن): سنن الترمذي (2380)، وقال: حسن صحيح.
(12) صحيح البخاري (1903).
(13) صحيح البخاري (1904) ومسلم (1151).








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy