حمل المصلي الآن
مدونة المصلي >> رمضان

أول يوم في رمضان

أول يوم في رمضان
2026‏/02‏/18
41٬474

في أول ليلةٍ من رمضان تتبدّل الأجواء، وتخفق القلوب بشوقٍ خاص، كأنّ الأرواح تُهيَّأ لميثاقٍ جديدٍ مع الطاعة، وكأنّ المؤمن يسمع نداءً خفيًّا يقول له: هذه فرصتك، فلا تُفرّط.

 ومن هنا كان لزامًا على من أدرك أول ليلةٍ في رمضان أن يقف وقفةَ المتأمّل الشاكر، لا وقفةَ العابر الغافل؛ فيجدد نيّته، ويُحكم عزمه، ويستحضر أن هذا الشهر ليس عادةً سنوية، بل مدرسةُ إيمانٍ متكاملة، تضبط مسار الحياة، وتغرس معاني التقوى التي من أجلها شُرع الصيام: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]

إنها ليلةُ البداية… فهلمّ إلى التأمّل في معانيها، واستثمار أنوارها.

أولًا: تجديد النيّة وتصحيح المقصد

أولُ ما ينبغي أن يُفتتح به رمضان هو تصحيحُ القصد لله تعالى، فإن الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى. وإنما العبرة بصدق التوجّه وإخلاص القصد.

في أول ليلةٍ من رمضان، يقف المؤمن مع نفسه وقفةَ محاسبةٍ هادئة: لماذا أصوم؟ أهو امتثالٌ لأمر الله، وطلبٌ لرضوانه، ورجاءٌ لمغفرته، أم هو موافقةٌ للناس، ومجاراةٌ للعادات؟

صلاحُ القلبِ بالعبادةِ مقدَّمٌ على مجرّد أدائها بالجوارح؛ وقبولُها مرهونٌ بالإخلاصِ والاحتساب، ولذا عُلِّقت المغفرةُ بالإيمانِ والاحتساب.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (1)».

وأمَّا الاحتسابُ في الصيامِ والقيامِ فحقيقتُه أن يقصدَ العبدُ بعملِه الأجرَ الموعود، وأن يستحضرَ النجاةَ من العقاب المترتِّب على تركِ الفريضةِ أو الإخلالِ بها؛ فيعبدُ ربَّه بين جناحَي الرجاءِ والخوف، راجيًا رحمتَه ومغفرتَه ورضوانَه، خائفًا سخطَه وعقابَه.

وفي الحديثِ بشارةٌ عظيمةٌ لمن وُفِّق لصيامِ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا؛ أي تصديقًا بفرضيتِه، وإذعانًا لأمرِ الله فيه، واستحضارًا لثوابِه، وخوفًا من عقوبةِ التفريطِ فيه. فمَن حقَّق هذه المعاني، رُجيَ له أن تُغفرَ ذنوبُه السالفة، ما لم تكن متعلِّقةً بحقوقِ العباد؛ فإنَّ حقوقَ الآدميين لا تسقطُ إلا بالأداء أو المسامحة.

ثانيًا: توبةٌ صادقة وفتحُ صفحةٍ جديدة

رمضانُ شهرُ المغفرةِ والحسنات، تتنزّلُ فيه الرحماتُ من ربِّ الأرضِ والسماوات، وتُضاعَفُ فيه الأجور، وتُقالُ فيه العثرات. فهو شهرٌ تُفتحُ فيه أبوابُ الجنان، وتُغلَقُ فيه أبوابُ النيران؛ فجديرٌ بالمؤمن أن يُحسنَ استقبالَه، ويُكرمَ هلالَه، ويُريَ اللهَ من نفسِه صدقَ الإقبالِ وحُسنَ الامتثال.

وأولُ ليلةٍ منه إعلانٌ ربّانيٌّ ببدءِ موسمِ الرحمة؛ إذ تُفتحُ أبوابُ الجنة، وتُغلَقُ أبوابُ النار. فأيُّ حرمانٍ أعظمُ من أن تُفتحَ أبوابُ القبول، ويظلَّ العبدُ أسيرَ ذنبٍ يُصِرُّ عليه، أو توبةٍ يُسوِّفها؟

🌙 عن أبي هُريرةَ، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذا كانَ ‌أوَّلُ ‌لَيْلةٍ ‌من ‌شَهْرِ ‌رَمَضانَ، ‌صُفِّدَتِ ‌الشَّياطِينُ ‌وَمَردةُ ‌الجِنِّ، وَغُلِّقتْ أبْوَابُ النّارِ، فلم يُفتحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحتْ أبْوَابُ الجَنَّةِ، فلم يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أقبِلْ، ويَا بَاغِيَ الشَّرِّ أقْصِرْ، وللهِ عُتَقَاءُ من النَّارِ، وَذلكَ كُلَّ ليْلةٍ (2)»

🌙 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: « إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ» (3).

إنّ التوبة في هذه الليلة ليست مجرّد ندمٍ عابر، بل هي عزمٌ صادقٌ على الإقلاع، وردٌّ للحقوق، واستغفارٌ يخرج من قلبٍ منكسر. وهي إعلانُ تحرّرٍ من أسر المعصية، وبدايةُ عهد مع الله.

فالتوبة الصادقة هي الأرضُ التي تُثمر فيها بقيةُ الأعمال، ومن لم يُمهّد أرض قلبه بالتوبة، عسر عليه أن يجني ثمار الصيام والقيام.

وما أحرَى بالمؤمنِ أن يستقبلَ رمضانَ وقلبُه سليمٌ من أدرانِ الأحقاد، خاليًا من كلِّ شحناءَ أو بغضاءَ لإخوانه المسلمين، ولسانُه مُصانٌ عن الغيبةِ واللغو، وجوارحُه مُنقادةٌ لأحكامِ الشرع، منضبطةٌ بميزانِ الشرع.

عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَا ‌أُخْبِرُكُمْ ‌بِأَفْضَلَ ‌مِنْ ‌دَرَجَةِ ‌الصِّيَامِ ‌وَالصَّلَاةِ ‌وَالصَّدَقَةِ»، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «صَلَاحُ ذَاتِ البَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ البَيْنِ هِيَ الحَالِقَةُ»: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ» وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «هِيَ الحَالِقَةُ لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ»(4).

ثالثًا: وضع برنامجٍ تعبّديٍّ منضبط

الحماسةُ وحدها لا تكفي، والعاطفةُ وإن كانت مطلوبةً في أول ليلة، إلا أنها تحتاج إلى تأطيرٍ عمليٍّ واقعي. فالمؤمن العاقل لا يترك أيام رمضان تمضي ارتجالًا، بل يضع لنفسه برنامجًا واضح المعالم، متوازن الأركان، يسهل عليه به القيام.

برنامجٌ يشمل:

نصيبًا ثابتًا من القرآن تلاوةً وتدبّرًا.

قيامًا منتظمًا ولو باليسير مع الخشوع.

أذكارًا صباحيةً ومسائيةً لا يُفرّط فيها.

صدقةً بحسب الاستطاعة.

إحسانًا في الخُلُق، وضبطًا للسان والجوارح.

وأول ليلةٍ من رمضان هي الوقت الأمثل لرسم هذا البرنامج؛ لأنها لحظةُ انطلاق، وما يُكتب في البدايات ينعكس أثره على المسار كله.

رابعًا: استشعارُ نعمة الإدراك ومسؤولية البلاغ

ومن تمامِ الشكر أن يُحسن العبدُ استثمارَ هذه الليلة المباركة، فيجعلها بدايةً لعهدٍ جديد مع الله، يسعى فيه لنشر الخير بين الناس؛ بكلمةٍ طيبة، أو علمٍ نافع، أو بمشاركة تطبيق *المصلى*

فمن دلَّ غيره على الخير كان له مثل أجره، فكن داعيةً بالعلم والعمل، وانشر ما يُصلح القلوب ويهدي العقول، لتكون أول ليلةٍ من رمضان نقطة انطلاقٍ نحو حياةٍ عامرةٍ بالطاعة، لك ولمن حولك

ابدأ رمضان بخطوة دعوية، كلمة أو مشاركة "المصلى"، فقد تكون سببًا في هداية غيرك، ويكتب الله لك مثل أجره.

فالمؤمن لا يعيش رمضان فردًا منعزلًا، بل عضوًا في أمة، يحمل همَّ الإصلاح، ويحرص على أن يعمّ الخير.

أيها الصائم! جدد النية، واشحذ الهمة.

إن أول ليلةٍ في رمضان ليست حدثًا عابرًا في تقويم السنة، بل هي مفترقُ طريقٍ بين غفلةٍ ويقظة، وبين عادةٍ وعبادة، وبين تكرارٍ باهتٍ وتجديدٍ صادق.

هي ليلةُ القرار: قرارِ أن يكون هذا الرمضان مختلفًا، وأن يكون الصيامُ طريقًا إلى التقوى حقًّا، وأن تتحوّل أيام الشهر إلى مشروعِ إصلاحٍ للنفس والبيت والمجتمع.

فطوبى لمن استقبلها بنيّةٍ خالصة، وتوبةٍ صادقة، وخطةٍ واضحة، وقلبٍ شاكر؛ وجعل منها بدايةَ عهدٍ جديدٍ مع الله.

نسأل الله أن يعيننا على الصيام والقيام وغضّ البصر وحفظ اللسان، وأن يجعل أول ليلةٍ منه مفتاحَ خيرٍ وبركةٍ لنا ولأمتنا، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.

شارك من أحببت، فالدالّ على الخير كفاعله.

وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

هل انتفعت بالفائدة

____________________

(1) صحيح البخاري (38) ومسلم (760)واللفظ له.

(2) (حسن) سنن الترمذي (689) وابن ماجه (1642)

(3) صحيح البخاري (1899) وصحيح مسلم (1079).

(4) (صحيح) سنن الترمذي (2509) وسنن أبي داود (4919).

بحث

الأكثر تداولاً

مقالات متعلقة

2026‏/02‏/15
36٬762

كيف نستقبل رمضان؟

التأهب لشهر رمضان والاستعداد لقدومه من تعظيم شعائر الله تبارك وتعالى

2026‏/02‏/08
44٬957

دورة فقه الصيام مع المصلي (10)

أهم أحكام قضاء رمضان

2026‏/02‏/12
43٬574

الصيام طريق إلى الجنة وباب الريان (2)

فضائل الصيام ومعانيه السامية

مع تطبيق المصلي تعرف على المساجد القريبة أينما كنت بمنتهى الدقة

حمل المصلي الآن

مدار للبرمجة © 2025 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة

Powered by Madar Software