تتوالَى نعمُ الله الظاهرة والباطنة على عباده، وقد أكرم - سبحانه - عبادَه بشهرٍ عظيمٍ مخصوصٍ بالقدر والتكريم، مُفضَّلٍ على سائر الشهور، أنزل فيه كتابَه وفرضَ صيامَه، زمنُ العتقِ والغفران، موسمُ الصدقات والإحسان، وتتوالَى فيه الخيراتُ وتعمُّ البركات.
نستقبل رمضان والصيام بفرحة:
استحضر في قلبك الآن أحب الناس إليك، وقد غاب عنك أحد عشر شهرا وهب أنك بشرت بقدومه وعودته خلال أيام قلائل … كيف تكون فرحتك بقدومه واستبشارك بقربه وبشاشتك للقائه؟
إن أول الآداب الشرعية بين يدي رمضان أن تتأهب لقدومه؛ إذ أن التأهب لشهر رمضان والاستعداد لقدومه من تعظيم شعائر الله تبارك وتعالى القائل: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]
يفرح المؤمنون بقدوم شهر رمضان ويستبشرون ويحمدون الله أن بلغهم إياه ويعقدون العزم على تعميره بالطاعات وزيادة الحسنات وهجر السيئات وأولئك يبشرون بقول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [يونس: 58]
مع بزوغ أول ليلة من ليالي رمضان تخفق القلوب، وتتطلع النفوس إلى ذلك النداء الرباني0يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر(1)، فيا الله ما أجمله من نداء، يفرح به المؤمنون ويستبشر به المتقون، فيعمرون المساجد، ويقبلون على القرآن، ويتلذذون مناجاة الرحمن، ويتصدقون على المساكين، ويؤمون البيت الحرام معتمرين ومصلين.
العيون تدمع، والقلوب تخشع، والرقاب لربها تخضع، تختلط دموع التائبين بلذة الخاشعين وتمتزج تلاوات التالين بدوي الذاكرين، فترسم في الدنيا أبهى حلة وأجمل صورة، تسطر معنى وجمال الحياة بطاعة الله.
رمضان… بُشرى الحبيبِ ﷺ
هناك وفي مدينة النبي ﷺ وفي كل عام تزف البشرى لأولئك الأطهار من الصحابة رضي الله عنهم،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللهُ عز وجل عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ»(2)
«قال بعض العلماء: هذا الحديث أصل في تهنئة النّاس بعضهم بعضا بشهر رمضان.
كيف لا يبشّر المؤمن بفتح أبواب الجنان، كيف لا يبشّر المذنب بغلق أبواب النيران، كيف لا يبشّر العاقل بوقت يغلّ فيه الشيطان، من أين يشبه هذا الزمان زمان؟»(3)
جاء شهر الصيام بالبركات … فأكرم به من زائر هو آت
وقال ابن رجب رحمه الله: «فالصّائم في ليله ونهاره في عبادة، ويستجاب دعاؤه في صيامه وعند فطره. فهو في نهاره صائم صابر؛ وفي ليله طاعم شاكر.(4)»
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: « إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ ». (5)
صيام رمضان… أجره عند الله
ادخر الله لك أجر صيامه وسيجزيك به، فما ظنك بصاحب الكرم والجود جل جلاله إذا ادخر لك شيئا؟
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: قَالَ اللهُ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، ...، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ.(6)»
- وفي رواية لمسلم: « كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ قَالَ اللهُ عز وجل: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ؛ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ».(7)
رمضان… وشفاعة الصيام والقرآن
عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ: قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعَبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رَبِّ، مَنَعته الطعامَ والشهوات بالنهار، فشفِّعْني فيه، ويقول القرآن: منعته النومَ بالليل، فشَفِّعْني فيه"، قاَل: "فيشفعانِ"(8)»
مَن ذا الذي يلومك، وأنت تسمع قول النبي ﷺ: «مَن قرأ القرآن فله بكلِّ حرفٍ عشرُ حسنات»؟ وقد علمت أن عدد حروف القرآن (326159) حرفًا؛ أي: ثلاثمائة وستة وعشرين ألفًا ومائة وتسعة وخمسون حرفًا. فهذا يعني أن الخَتْمَةَ الواحدةَ تُثمِر ثلاثَةَ ملايينَ ومائتينِ وواحدًا وستين ألفًا وخمسمائةٍ وتسعين حسنةً، فضلًا من الله ونعمة. وفضلُ الله أوسعُ وأعظم، لا نُحيط به عدًّا ولا نُحصيه حسابًا؛ فإذا ضُوعِفَتِ الحسنةُ إلى سبعمائةِ ضعفٍ، فمَن ذا الذي يستطيع عدَّ ذلك أو الإحاطةَ به؟
وما لك لا تفرح وتشتاق، وأنت تسمع فضائل رمضان العظيمة، ومناقبه الكبيرة؟ أليس هو شهر القرآن، والرحمة والدعاء، والمغفرة، والرضوان ؟!
ما لك لا تشتاق، وأنت تسمع قول الحبيب : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»(9).
تلك هي البشرى التي عمل لها العاملون.. وشمر لها المشمرون.. وفرح بقدومها المؤمنون... فأين فرحتك ؟! أين ابتسامتك ؟! وأنت ترى الأيام تدنو منك رويداً .. رويدا.
فضل من أدرك رمضان
أما خطر ببالك يوماً فضل من أدرك رمضان ؟! أما تفكرت يوماً في عظم ثواب من قدر الله له إدراك هذا الشهر المبارك ؟!
أتركك مع هذه القصة ..
«عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَجُلَانِ مِنْ بَلِيٍّ - حَيٌّ مِنْ قُضَاعَةَ - أَسْلَمَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَاسْتُشْهِدَ أَحَدُهُمَا، وَأُخِّرَ الْآخَرُ سَنَةً. قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: فَأُرِيتُ الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ الْمُؤَخَّرَ مِنْهُمَا أُدْخِلَ قَبْلَ الشَّهِيدِ، فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَأَصْبَحْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أَوْ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " أَلَيْسَ قَدْ صَامَ بَعْدَهُ رَمَضَانَ وَصَلَّى سِتَّةَ آلَافِ رَكْعَةٍ - أَوْ كَذَا وَكَذَا رَكْعَةً - صَلَاةَ السَّنَةِ » (10)»
أتي رمضان مزرعة العباد لتطهير القلوب من الفساد
فأد حقوقه قولاً وفعلاً وزادك فاتخذه للمعاد
فمن زرع الحبوب وما سقاها تأوه نادماً يوم الحصاد
صم رمضان صيام مودع
تعالَ نُخَصِّص هذا الشَّهرَ الكريمَ بمزيدٍ من العناية، وكأنَّا نصومه صيامَ مودع!
تعالوا نقفُ مع أنفسِنا وقفاتِ صدقٍ ومراجعة، نُخْرِج بها صيامَنا من إلف العادة إلى روح العبادة، ومن صورةِ الإمساك إلى حقيقةِ التقوى.
نصومُ رمضانَ كلَّ عام، ويكون همُّ كثيرٍ مِنَّا براءةَ الذِّمَّة وأداءَ الفريضة؛ فلنجعل همَّنا هذا العام تحقيقَ معنى الصيام: إيمانًا واحتسابًا؛ رجاءَ مغفرةِ ما تقدَّم من الذنوب، وهي كثيرة، ولا يغسلها إلا صدقُ التوبة وحُسنُ القصد.
نحرصُ في كلِّ عامٍ على ختم القرآن مرارًا، فلتكن لنا في هذا العام خَتْمَةُ تدبُّرٍ وتأمُّلٍ، نقيمُ فيها حدودَه قبل أن نُسْرِعَ في حروفه، ونجعل آياتِه ميزانًا لأخلاقنا وسلوكنا.
يشتدُّ حرصُنا في أوائل الشهر على صلاة الجماعة مع الإمام، فلنحافظ هذا العام – طوال الشهر – على إدراك تكبيرة الإحرام.
نُوَسِّع في رمضان على أنفسنا وأهلينا من طيِّبات الدنيا الدانية، فليتَّسع ذلك للتوسعة عليهم بأغذية الروح العالية، في كتاب يقرأ، أو محاضرة تسمع، أو لقاء يفيد .
وإذا أدخلنا السرور على أسرنا، فلنُوَسِّع الدائرة هذا العام، فنُدخِل السرور على أسرٍ أنهكها المرض، أو أرهقها الفقر، أو قيَّدها الكرب؛ فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضُه بعضًا.
نتصدَّق كلَّ عام إعانةً للمحتاجين، فلنجعل من مقاصدنا هذا العام تطهيرَ نفوسنا من أدران الخطايا، بالإخلاص في الصدقات، بنيةِ مغفرةِ الزَّلَّات وإطفاءِ الخطيئات.
نحرص على العمرة في رمضان طمعًا في فضلها، فلنجعل عمرتَنا – إن أذن الله – لعمرنا الباقي، فلعلَّه آخرُ الطواف، فقد يكون آخر العهد بالبيت ذاك الطواف.
نطلب لأنفسنا العملَ النافع، فليكن نفعُنا هذا العام متعدِّيًا: نصيحةً تُسدى، أو علمًا يُبثُّ، أو كتابًا يُهدى؛ لعلَّ الله يكتب لنا أجرَ مَن دللناهم على الخير، فـ «الدالُّ على الخير كفاعله».
اجعل لنفسك وأهلك أوفرَ الحظِّ من الدعاء، ولا تبخل به على إخوانك المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؛ فما من دعوةٍ بظهر الغيب إلا قال الملك: آمين، ولك بمثل. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ»(11)
الجودُ خُلُقُ رمضان، وأنت أهلٌ له ببذل القليل والكثير؛ فليمتدَّ جودُك هذا العام إلى الإحسان لمن أساء، وصلةِ من قطع، وإعطاءِ من منع؛ فبذلك تُمحى الأحقاد، وتصفو القلوب.
خفِّف من عكوفك على الناس، وأكثِر من عكوفك على محاسبة النفس؛ فربما يفجؤك الموت، فحاسِب نفسَك قبل أن تُحاسَب.
نُحِبُّ تفطيرَ الصائمين، فلنُجَرِّد هذه العبادة من طلب المحمدة أو دفع المذمَّة؛ فالبذلُ رياءً خسارةٌ محقَّقة، لا يثيب صاحبه، بل يصيب مقاتله: يُعطي ولا يأخذ، ويغرم ولا يغنم.
يتضاعف قدرُ رمضان في ليلة القدر، فاستحضِر في قلبك أنها قد تكون فاتتك في أعوامٍ مضت، فاغتنمها هذا العام بصدقٍ واجتهاد؛ فلعلَّها فرصةُ العمر التي لا تتكرَّر.
اللهم بارك لنا في رمضان، وتقبَّل حُسن استقبالنا له، وأعنَّا على صيامه وقيامه، واجعلنا فيه من الأتقياء الأنقياء، ومن عتقائك من النار. آمين.
شارك هذه الفائدة مع من أحببت، فالدالّ على الخير كفاعله.
«سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ».
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
هل انتفعت بالفائدة؟!
--------------------------
( 1) (صحيح) سنن الترمذي (682)، وسنن ابن ماجه (1642)
( 2) (صحيح) سنن النسائي (2106)
(3 ) لطائف المعارف (ص264)
( 4) لطائف المعارف (ص280 ت عوض الله)
( 5) صحيح البخاري (3277) ، ومسلم (1079)
( 6) صحيح البخاري (1904) ومسلم (1151).
( 7) صحيح مسلم (1151).
( 8) مسند أحمد (6626 ت أحمد شاكر وقال إسناده صحيح)
( 9) صحيح البخاري (38) ومسلم (760).
( 10) (حسن) مسند أحمد (8399) وإسناده صحيح
( 11) صحيح مسلم (2733)








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy