نستكمل بإذن الله تعالى فائدة الصيام طريق إلى الجنة وباب الريان، في ذكر فضائل الصيام ومعانيه السامية، لنزداد يقينًا بعظيم فضل هذه العبادة، ونتزود من أنوارها الإيمانية والتربوية.
6- الصيام سبب لدخول الجنة من باب الريان
عَنْ سَهْلٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ، فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ.» (1)
(الريان) صيغة مبالغة من الري وهو نقيض العطش.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ. (2) »
7 - الصيام من أفضل الأعمال عند الله
عن أبي أمامةَ رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! مُرني بعمل. قال: "عليكَ بالصومِ؛ فإنه لا عِدْلَ له". قلت: يا رسول الله! مرني بعمل. قال: "عليك بالصوم؛ فإنَّه لا عِدْلَ له".
وفي رواية قال: أتيت رسولَ الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله! مرني بأمرٍ ينفعُني الله به. قال: "عليك بالصيام. فإنَّه لا مِثْلَ له".
وفي رواية قال: قلت: يا رسول الله! دلني على عملٍ أدخلُ به الجنةَ. قال: "عليك بالصوم؛ فإنَّه لا مِثْلَ له". قال: وكان أبو أُمامة لا يُرى في بيته الدخان نهاراً إلا إذا نزل بهم ضيف.»(3)
- يدل الحديث على أن الصيام عمل لا يعدله عمل آخر في عظمته وفضله عند الله تعالى.
8 - الصيام جُنّة - أي: وقاية - من شهوات الدنيا وعذاب الآخرة
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا. (4)»
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَحِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ النَّارِ»(5)
- وقال ﷺ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْقِتَالِ(6)»
9 - الصيام جنة من النار
قال رسول الله ﷺ: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنْ عَذَابِ اللهِ كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْقِتَالِ(7). »
عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ يَسْتَجِنُّ بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ(8)»
قال المناوي «الصوم جنة بضم الجيم وقاية في الدنيا من المعاصي بكسر الشهوة وحفظ الجوارح وفي الآخرة من النار لأنه يقمع الهوى ويردع الشهوات التي هي من أسلحة الشيطان»(9)
10 - خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ (10)»
أزكى عند الله وأرفع من رائحة المسك، لأنها من آثار الطاعة فكانت محبوبة عند الله.
قال المناوي : «فإذا كان هذا بتغير ريح فمه فما ظنك بصلاته وقراءته وسائر عباداته؟ قال ابن جماعة: وفيه أن خلوف فم الصائم أفضل من دم الجريح في سبيل الله لأن النبي ﷺ قال في الشهيد: إن ريحه ريح المسك وقال في خلوف الصائم: إنه أطيب منه» (11)
«قال أبو حاتم: شعار المؤمنين في القيامة التحجيل بوضوئهم في الدنيا فرقا بينهم وبين سائر الأمم، وشعارهم في القيامة بصومهم طيب خلوفهم أطيب من ريح المسك ليعرفوا من بين ذلك الجمع بذلك العمل، نسأل الله بركة ذلك اليوم. (12) »
وقال الحافظ «ويؤخذُ منه أنَّ الخلوفَ أعظم من دمِ الشَّهيد؛ لأنَّ دم الشَّهيد شُبِّه ريحه بريحِ المسك، والخلوفُ وُصِفَ بأنَّه أطيبُ»(13)
11 - للصائم فرحتان
-عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ.(14) »
قال ابن رجب : «أمّا فرحة الصّائم عند فطره؛ فإن النفوس مجبولة على الميل إلى ما يلائمها من مطعم ومشرب ومنكح، فإذا منعت من ذلك في وقت من الأوقات ثم أبيح لها في وقت آخر، فرحت بإباحة ما منعت منه، خصوصا عند اشتداد الحاجة، خصوصا عند اشتداد الحاجة إليه، فإن النفوس تفرح بذلك طبعا، فإن كان ذلك محبوبا لله كان محبوبا شرعا، والصائم عند فطره كذلك، فكما أن الله تعالى حرَّم على الصائم في نهار الصيام تناول هذه الشهوات، فقد أذن له فيها في ليل الصيام، بل أحب منه المبادرة إلى تناولها في أول الليل وآخره...
فالصائم ترك شهواته لله بالنهار تقربا إليه وطاعة له، وبادر إليها في الليل تقربا إلى الله وطاعة له، فما تركها إلا بأمر ربه، ولا عاد إليها إلا بأمر ربه، فهو مطيع له في الحالين...
وإن نوى بأكله وشربه تقوية بدنه على القيام والصيام كان مثابا على ذلك، كما أنه إذا نوى بنومه في الليل والنهار التقوِّي على العمل كان نومه عبادة...
ومن فهم هذا الذي أشرنا إليه لم يتوقف في معنى فرح الصائم عند فطره، فإن فطره على الوجه المشار إليه من فضل الله ورحمته، فيدخل في قوله تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) يونس / 58.
ولكن شرط ذلك أن يكون فطره على حلال، فإن كان فطره على حرام كان ممن صام عما أحل الله، وأفطر على ما حرم الله، ولم يستجب له دعاء، كما قال النبي ﷺ في الذي يطيل السفر: يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك(15).
وأما فرحه عند لقاء ربه فما يجده عند الله من ثواب الصيام مدخرا، فيجده أحوج ما كان إليه، كما قال الله تعالى: (وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً) المزمل / 20، وقال تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً) آل عمران / 30)ا. هـ (16)
شارك هذه الفائدة مع من أحببت، فالدالّ على الخير كفاعله.
«سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ».
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
هل انتفعت بالفائدة؟!
( 1) صحيح البخاري (1896)، ومسلم (1152)
( 2) صحيح البخاري (1897)، ومسلم (1027).
( 3) (صحيح) مسند أحمد (22140) وسنن النسائي (2220).
( 4) صحيح البخاري (1894)
( 5) مسند أحمد (9225) وإسناده صحيح.
( 6) (صحيح) مسند أحمد (16273)
( 7) مسند أحمد (17909) وإسناده صحيح.
( 8) (صحيح) مسند أحمد (14669) المعجم الكبير للطبراني (8386) وفي صحيح الجامع (3867)
( 9) فيض القدير (4/ 242)
(10) صحيح البخاري (1904) وصحيح مسلم (1151).
( 11) فيض القدير (4/ 250)
(12 ) صحيح ابن حبان: (1/ 203)
( 13) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (17/ 354).
(14 ) صحيح البخاري (1904) وصحيح مسلم (1151).
( 15) صحيح مسلم (1015)
( 16) لطائف المعارف (278 : 280 باختصار.








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy