الصيام ركنٌ عظيم من أركان الإسلام الخمسة، لا يكتمل إسلام المرء إلا به. عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»[1].
فرض الله تعالى الصيام على المسلمين كما فرضه على من سبقهم من الأمم، في أيامٍ معدوداتٍ يمسك فيها المؤمن عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، بنية التعبد لله تبارك وتعالى.
إن الصيام من أعظم الطاعات التي يُتقرَّب بها إلى الله سبحانه، يثاب عليها المسلم ثوابًا لا يُحدّ، وتُغفر بها الذنوب، ويُقي الله بها عبده من النار، ويُفتح له بها بابٌ خاص في الجنة أُعِدَّ للصائمين.
وفي الصيام فرحتان عظيمتان: فرحةٌ عند الفطر، وفرحةٌ أعظم عند لقاء الله عز وجل، حيث يجد العبد جزاء صبره وعبادته، ويدخل في رحمة الله ورضوانه.
فضائل الصيام ومعانيه السامية
الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة صحية وتربوية واجتماعية، تُعلِّم المسلم الصبر، وتُدرِّبه على مخالفة النفس وكسر الشهوة، وتغرس فيه احترام النظام، والالتزام بالجماعة، والإحسان إلى الفقراء، ومواساة المساكين والمحتاجين. وهو تطهيرٌ للقلب، وانشغالٌ بلذة العبادات من صلاة وذكر وقيام واعتكاف وتلاوة للقرآن الكريم.
أهم فضائل الصيام
وللصيام فضائلُ عظيمة، ومعانٍ سامية، وآثارٌ جليلة، تتجلّى في حياة الفرد والمجتمع، ومن أبرزها ما يأتي:
1- إضافة الصيام لله تعالى تشريفًا وتعظيمًا
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه رِوَايَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: قَالَ اللهُ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ.»[2]
- وفي رواية لمسلم: « كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ قَالَ اللهُ عز وجل: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ؛ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ »[3].
ولَمَّا كان ثَوابُ الصِّيامِ لا يُحْصِيه إلَّا اللهُ تعالَى، لم يَكِلْه تعالَى إلى مَلائكتِه، بلْ تَولَّى جَزاءَه تعالَى بنفْسِه، واللهُ تعالَى إذا تَولَّى شَيئًا بنفْسِه دلَّ على عِظَمِ ذلك الشَّيءِ وخَطَرِ قَدْرِه.
- وقد ذكر العلماء أوجهًا في بيان اختصاص الصوم بهذا الفضل، منها:
- أنه لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره.
- أن الله تعالى ينفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته. فالأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس، وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمئة، إلى ما شاء الله، إلا الصيام؛ فإن الله يثيب عليه بغير تقدير.
- أنه أحب العبادات إلى الله وأعظمها عنده.
- أن إضافة الصوم لله إضافة تشريف وتعظيم، كما يقال: بيت الله وناقة الله.
- أن الصيام لم يُعبد به غير الله تعالى.
للصيام فضائل عظيمة، وكرامة الله للصائمين لا تنقطع؛ فإنهم حرموا أنفسهم الطعام والشراب والشهوة، فأعطاهم الله سبحانه وتعالى من واسع عطائه، وفضلهم على غيرهم.
2- الصيام يشفع لصاحبه يوم القيامة
عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ: قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعَبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رَبِّ، مَنَعته الطعامَ والشهوات بالنهار، فشفِّعْني فيه، ويقول القرآن: منعته النومَ بالليل، فشَفِّعْني فيه"، قاَل: "فيشفعانِ"[4]»
- وهذا من أعظم فضائل الصيام، أن يكون شفيعًا لصاحبه يوم القيامة شفاعةً حقيقيَّةً، كما دلَّ عليه قولُه ﷺ: يقولُ الصِّيامُ: أيْ ربِّ إنِّي مَنعَتُه الطَّعامَ والشَّهواتِ بالنَّهارِ. فينال به رحمة الله ورضوانه.
3- الصيام من الأعمال التي وعد الله صاحبها بالمغفرة والأجر العظيم
- قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 35]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[5].
في هذا الحديثِ بِشارةٌ عَظيمةٌ مِن النبيِّ ﷺ لِمَن وُفِّق لصِيامِ شَهرِ رمَضانَ كلِّه عندَ القُدرةِ عليه، فمَن صامَ هذا الشَّهرَ «إيمانًا واحتسابًا»، تَصديقًا بالأمْرِ به، عالِمًا بوُجوبِه، خائِفًا مِن عِقابِ تَرْكِه، مُحتسِبًا جَزيلَ الأجْرِ في صَومِه -وهذه صِفةُ المؤمِنِ- فإنَّ المَرْجُوَّ مِن اللهِ أنْ يَغفِرَ له ما تقدَّمَ مِن ذُنوبِه السَّابقةِ، غيرَ الحُقوقِ الآدميَّةِ المتعلِّقةِ بأموالِهم أو أعراضِهم أو أبدانِهم؛ فهذه لا تَسقُطُ إلَّا برِضاهُم؛ فعلَى الإنسانِ أنْ يَطلُبَ المسامحةَ ممَّن له عليه حقٌّ، أو يُؤدِّيَ الحقوقَ إلى أهلِها .وقد وقَعَ الجزاءُ هنا بصِيغةِ الماضي «غُفِرَ» مع أنَّ المَغفرةَ تكونُ في المستقبَلِ؛ للإشعارِ بأنَّه مُتيقَّنُ الوقوعِ، مُتحقِّقُ الثُّبوتِ، فضْلًا مِن اللهِ تعالَى على عِبادِه. وفي الحديثِ: الحثُّ على صِيامِ شَهرِ رَمضانَ وبَيانُ عَظيمِ أجْرِ ذلك[6].
4- الصيام كفارة للخطايا والذنوب
- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: « الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ .[7] »
وفي الحَديثِ: بَيانٌ لسَعةِ رحمةِ اللهِ عزَّ وجلَّ وتَفضُّله بالمَغفِرةِ وإعطاءِ الأجرِ العَظيمِ على العَملِ القَليلِ.
وفيه: بيانُ فضلِ الصَّلاةِ والصِّيامِ في تَكفيرِ الذُّنوبِ.
وعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قال رسول الله ﷺ: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ»[8]
- معنى الحديث: أن الإنسان قد يبتلى بما يشغله عن آخرته أو يقصر في حقوق أهله وجيرانه، وقد يقع في ظلم أو خطأ، فيكون الصيام من أعظم الطاعات التي تكفر هذه الذنوب والخطايا.
فالصيام يكفر الذنوب التي تقع بسبب الانشغال بالدنيا والفتن.
5- الصيام يحقق أجر الصبر
- يجمع الصيام بين أنواع الصبر الثلاثة:
- الصبر على طاعة الله: إذ يصبر الصائم على أداء هذه العبادة العظيمة.
- الصبر عن معصية الله: حيث يتجنب المعاصي والشهوات أثناء صيامه.
- الصبر على أقدار الله: بما يصيبه من ألم الجوع والعطش وضعف النفس.
- لذلك كان الصيام من أعلى مراتب الصبر، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]
ونستكمل بإذن الله تعالى ذكر فضائل الصيام ومعانيه السامية في الفائدة التالية، لنزداد يقينًا بعظيم فضل هذه العبادة، ونتزود من أنوارها الإيمانية والتربوية.
شارك هذه الفائدة مع من أحببت، فالدالّ على الخير كفاعله.
«سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ».
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
هل انتفعت بالفائدة؟!
[1] صحيح البخاري ( 8 )، ومسلم ( 16 ).
[2] صحيح البخاري (1904) ومسلم (1151).
[3] صحيح مسلم (1151).
[4] مسند أحمد (6626 ت أحمد شاكر وقال إسناده صحيح)
[5] صحيح البخاري (38) ومسلم (760).
[6] مستفاد من الدرر السنية.
[7] صحيح مسلم (233).
[8] صحيح البخاري (1895) ، مسلم (144).








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy