فوائد المصلي


الفتح العظيم (معركة طلاس) اللقاء الأول والأخير بين المسلمين والصينيين!

benefitsImg
15 1173 2/20/2018 11:14:21 PM

قام الحجاج  بن يوسف الثقفي بدور كبير في التشجيع على الفتوحات الإسلامية لبلاد ما وراء النهر، ووجد في قتيبة بن مسلم الباهلي غايته، فقد كان قائدًا بارعًا, ولاّه الحجاج خراسان سنة (85هـ/704م)، وعهد إليه بمواصلة الفتح وحركة الجهاد، فأبلى بلاءً حسنًا، ونجح في فتح العديد من النواحي والممالك والمدن الحصينة، مثل: بلخ، وبيكند، وبخارى، وشومان، وكش، والطالقان، وخوارزم، وكاشان، وفرغانة، والشاش، وكاشغر الواقعة على حدود الصين المتاخمة لإقليم ما وراء النهر. وانتشر الإسلام في هذه المناطق، وأصبح كثير من مدنها مراكز مهمة للحضارة الإسلامية مثل بخارى وسمرقند.

ولم تستطع الصين وقف موجات الفتوحات الإسلامية في آسيا الوسطى عسكريًّا، واكتفت بدعم زعماء القبائل، وتحريضهم على القتال ضد المسلمين دون أن تحقق نجاحًا يذكر.

في هذا الوقت لم يكن بمقدور الصين مواجهة المسلمين عسكريًّا؛ نظرًا للمشكلات والثورات التي عاشتها الصين في تلك الفترة, إضافة إلى سمعة الجيش المسلم الذي لا يُقهر، فقد هزم الفرس، وأسقط دولتهم، كما قلّم أظافر الدولة الرومانية، واستولى على أكثر أملاكها، حتى بلاد الغال البعيدة (فرنسا حاليًا) لم تستثنها غزوات المسلمين.

وعلى الرغم من استيلاء المسلمين على معظم مناطق آسيا الوسطى, إلا أن الصين احتفظت ببعض المناطق المهمة الباقية، والتي تتمثل في قرغيزيا.

لكن الصين قامت بإرسال حملة عسكرية بقيادة القائد (جاو زيانزي) استطاعت تلك الحملة استرجاع بعض المدن المهمة من المسلمين، مثل كش والطالقان وتوكماك -تقع الآن في جمهورية أوزباكستان- بل وصل الأمر إلى تهديد مدينة كابول إحدى كبريات مدن المسلمين في آسيا الوسطى، وذلك في سنة 748م/130هـ.

ثم أدى وصول العباسيين إلى سدة الخلافة إلى استقرار الدولة الإسلامية، وبالتالي التفكير في تأمين حدودها, فأرسل الخليفة أبو جعفر المنصور إلى أبي مسلم -واليه على خراسان- بالتحضير لحملة لاستعادة هيبة المسلمين في تركستان الشرقية (أي آسيا الوسطى)، فقام أبو مسلم بتجهيز جيش زحف به إلى مدينة "مرو"، وهناك وصلته قوات دعم من إقليم طخارستان (يقع هذا الإقليم في أفغانستان)، وسار أبو مسلم بهذا الجيش إلى سمرقند، وانضم بقواته مع قوات زياد بن صالح -الوالي السابق للكوفة- وتولى زياد قيادة الجيش.

وحشد الصينيون 30 ألف مقاتل طبقًا للمصادر الصينية، و100 ألف مقاتل طبقًا للمصادر العربية, وكان "جاو زيانزي" على رأس الجيش الصيني, وفي يوليو 751م اشتبكت الجيوش الصينية مع الجيوش الإسلامية بالقرب من مدينة "طلاس" أو طرار، والتي تقع على نهر الطلاس بجمهورية قرغيزيا.

اشتبكت الجيوش الإسلامية مع الجيوش الصينية, وحاصر فرسان المسلمين الجيش الصيني بالكامل، وأطبقوا عليه الخناق؛ مما أدى إلى سقوط آلاف القتلى من الجانب الصيني, وهرب "جاو زيانزي" من المعركة، بعد أن خسر زهرة جنده. أما زياد بن صالح فقد أرسل الأسرى -وكانوا 20 ألفًا- إلى بغداد، وتم بيعهم في سوق الرقيق.

وكان هذا أول وآخر صدام عسكري حدث بين المسلمين والصينيين, كما أنه أنهى نفوذ الصين في آسيا الوسطى بعد أن سقطت قرغيزيا في أيدي المسلمين؛ حيث تم صبغ تلك المنطقة (آسيا الوسطى) بصبغة إسلامية، بعد أن أسلم أكثر قبائلها، وغدت مناطق إشعاع إسلامي وحضاري، وأنجبت علماء مسلمين عظام كالإمام البخاري والترمذي وأبي حنيفة وغيرهما, وأدت إلى وصول الورق الصيني إلى دول الشرق الإسلامي بعد أن أسر المسلمون عددًا كبيرًا من صُنَّاع الورق الصينيين, وتم نقلهم إلى بغداد.

وبنهاية هذه المعركة انتشر الإسلام سريعًا في بلاد آسيا الوسطى، واختفى النفوذ الصيني بما يحمله من أفكار ضد الإسلام نهائيًّا, كما أدت هذه المعركة إلى تثبيت أركان الدول الإسلامية خارج أراضي آسيا الوسطى؛ لما عرفه الناس عن الجيش الإسلامي من أنه "قوة لا تقهر"، مما جعل القبائل تخشى من التعرض للمسلمين على أرضها.

ومن ثَمَّ كانت معركة طلاس بمنزلة فتحٍ عظيم ليس للإسلام في آسيا الوسطى فقط، بل في بقية البلاد المحيطة بها.
راجع:الكامل في التاريخ (5/ 40).