فوائد المصلي


قحط الناس على عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر الأندلسي، فكان له شأن عجيب مع صلاة الاستسقاء! (قصة رائعة)

benefitsImg
38 1721 2/18/2018 3:21:53 PM

إن مَنْ ينظر إلى سيرة عبد الرحمن الناصر الخليفة الأندلسي الذي ظلَّ يحكم البلاد من سنة (300هـ= 913م) إلى سنة (350هـ= 961م) نصف قرن كامل- لَيَرَى العَجَبَ العُجاب؛ فمثل هذا الرجل لم يكن يعرف إلاَّ طريقًا واحدًا، هو طريق العظمة والجدية التامَّة، طريق العزَّة وعدم الخنوع، وكان رحمه الله، مع كل هذا السلطان وهذا الصولجان دائمَ الذِّكْر لربه عز وجل، سريع الرجوع إليه.

فقد حدث ذات مرَّة قحط شديد في الأندلس، فأرسل الناصر رسولاً من عنده يدعو القاضي منذر بن سعيد رحمه الله بإمامة الناس في صلاة الاستسقاء، فتأخر الخليفة عليهم بالخروج لأداء صلاة الاستقاء معهم. فقال  القاضي منذر للرسول: ليت شعري ما الذي يصنعه الخليفة سيدنا؟ (يشكو تأخر الخليفة) فقال له الرسول: ما رأينا قط أخشع منه في يومنا هذا؛ إنه منتبذ حائر منفرد بنفسه، لابس أخشن الثياب، مفترش التراب، وقد رقد به على رأسه وعلى لحيته، وبكى واعترف بذنوبه، وهو يقول: هذه ناصيتي بيدك، أتراك تُعَذِّب بي الرعية وأنت أحكم الحاكمين؟! لن يفوتك شيء مني. (يشكو إلى الله ويدعوه ألا يعذب الرعية بمنع المطر عنهم بسبب ذنوبه، ثم يقول: لن يفوتك شيء مني. أي: يا رب إن شئت  فاقتص مني بسبب ذنوبي ولا تعذب الرعية بسببي، فلن يفوتك مني شيء).

فتهلَّل وجه القاضي منذر عندما سمع قوله، وقال: يا غلام؛ احمل الممطر معك؛ فقد أذن الله تعالى بالسقيا، إذا خشع جبار الأرض، فقد رحم جبار السماء. وكان كما قال، فلم ينصرف الناس إلاَّ عن السقيا».

الممطر: هو ثوب من صوف يُلبس في المطر، يُتوقى به من المطر.

قال عنه الذهبي: كان شجاعًا شهمًا محمود السيرة، لم يزل يستأصل المتغلِّبين حتى تم أمره بالأندلس، واجتمع في دولته من العلماء والفضلاء ما لم يجتمع في دولة غيره، وله غزوات عظيمة ووقائع مشهورة، قال ابن عبد ربه: وافتتح سبعين حصنًا من أعظم الحصون.

ومات رحمه الله في رمضان سنة (350هـ= 961م) عن اثنين وسبعين عامًا، وقد وجدوا في خزانته ورقة كان قد كتبها بخط يده، عدَّ فيها الأيام التي صَفَتْ له دون كدر؛ فقال: «في يوم كذا من شهر كذا في سنة كذا صفا لي ذلك اليوم». فعدُّوها فوجدوها أربعة عشر يومًا فقط.

انظر:

مطمح الأنفس، ابن خاقان (103).

تاريخ الإسلام، الذهبي (25/237).

نفح الطيب، المقري (1/573:575).

الوافي بالوفيات، الصفدي (18/137).

البيان المغرب، ابن عذاري (2/232).