من أعظم دلائل توحيد الله عز وجل أنه المتفرّد بخلق الرياح وتصريفها، فهي تارةً تأتي بالرحمة وتارة تأتي بالعذاب، تارة تأتي مبشرة بين يدي السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه، وتارة تصرفه، وكل ذلك آية على قدرته وربوبيته سبحانه. قال تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 164]
📘 وقد صحّ عن النبي ﷺ أنه قال «الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ» قَالَ سَلَمَةُ: «فَرَوْحُ اللَّهِ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلَا تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللَّهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا». [(صحيح) سنن أبي داود (5097) ومسند أحمد (7631)]
قوله: «الريح من روح الله» أي: من رحمته، ومنه قوله سبحانه وتعالى: {ولا تيأسوا من روح الله} أي: من رحمته. [شرح السنة للبغوي (4/ 393)]
🕊️ الريح نُصرة للأنبياء وأولياء الله.
الريح من جند الله، يعز الله بها أولياءه، ويذل بها أعداءه، أكرم الله تعالى بها أنبيائه ونصرهم بها، فأكرم الله عز وجل بها سليمان عليه السلام، فكانت تطيعه وتُساق حيث أراد: قال تعالى ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: 36] وقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: 81]
ونصر بها نبينا ﷺ في غزوة الأحزاب، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: 9].
🔹عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ». [صحيح البخاري (4105)، ومسلم (900)] الصبا: هي الريح الشرقية، والدبور: الريح الغربية.
⚠️ الريح.. عذاب للأمم المكذّبة
قد أخبر الله عز وجل أنه أهلك بعض الأمم المكذبة للرسل بإرسال الريح عليهم، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16)﴾ [فصلت: 15-16]
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)﴾ [الأحقاف: 24-25]
🌧️ خوف النبي ﷺ من العذاب بالريح
كان النبي ﷺ إذا رأى غيمًا أو ريحًا تغيّر وجهه، تقول عائشة رضي الله عنها: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا، حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ. إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ، قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا، أَوْ رِيحًا، عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَى النَّاسَ، إِذَا رَأَوُا الْغَيْمَ، فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ. وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ، عَرَفْتُ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةَ؟ قَالَتْ: فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ! مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ. قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ. وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ، فَقَالُوا: {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا}».. 📘 [صحيح مسلم (899)]
(مستجمعا) المستجمع المجد في الشيء، القاصد له. (لهواته) اللهوات جمع لهاة. وهي اللحمة الحمراء المعلقة في أعلى الحنك. (هذا عارض ممطرنا) أي سحاب عرض في أفق السماء يأتينا بالمطر.
🔹 عَن أنس رضي الله عنه، قَالَ: «كَانَتِ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ إِذَا هَبَّتْ، عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ» [صحيح البخاري (1034)] وهذا من خشيته على الأمة، وتعظيمه لأمر الله!
أدعية النبي ﷺ عند هبوب الرياح:
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، قَالَتْ: وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ، تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ. فَإِذَا مَطَرَتْ، سُرِّيَ عَنْهُ. فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ. فَقَالَ: لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ! كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا}. [صحيح مسلم (899)]
🔹 عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اشْتَدَّتِ الرِّيحُ قَالَ: «اللهُمَّ لَقَحًا لَا عَقِيمًا». [(حسن) صحيح الجامع (4670) (الصحيحة (2058)]
«لقحا) وهي الريح الحاملة للسحاب الحاملة للماء كاللقاحة من الإبل والعقيم التي لا ماء فيها كالعقيم من الحيوان». [تحفة الذاكرين (ص267)]
الاستعاذة في الريح والظلمة الشديدة بسورة الفلق والناس.
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْجُحْفَةِ، وَالْأَبْوَاءِ، إِذْ غَشِيَتْنَا رِيحٌ، وَظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ بِأَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وَأَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، وَيَقُولُ: «يَا عُقْبَةُ، تَعَوَّذْ بِهِمَا فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا»، قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَؤُمُّنَا بِهِمَا فِي الصَّلَاةِ. [(صحيح): سنن أبي داود (1463)]
📜 ومن دلائل النبوة:
إخباره بالغيب الذي أطلعه الله عليه من وقت الريح وأنها ستهب الليلة وما يتبع ذلك من ضرر.
🔹 عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ. أن النبي ﷺ قال في غزوة تبوك: «سَتَهُبُّ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ. فلا يقيم فِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ. فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالَهُ" فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ. فَقَامَ رَجُلٌ فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طئ.». [صحيح مسلم (1392)]
وهذا من دلائل صدقه ﷺ، حيث أخبر بأمرٍ غيبيٍّ فوقع كما قال تمامًا.
الريح من جند الله، يُسخّرها كيف شاء: نصرًا لعباده، أو عذابًا لأعدائه.
انشر تؤجر.
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy