رمضان ليس مجرد شهر ينقضي، بل هو موسم تزود لا محطة وداع. كم من قلوب لانت فيه، وعيون بكت من خشية الله، وألسن لهجت بالذكر والدعاء، فهل يُعقل أن تُطوى تلك الصفحات بانتهاء الشهر؟
رمضان مدرسة إيمانية يتخرّج فيها من صدق واستقام، من أخلص وسمت روحه إلى العلياء. من ذاق لذة الطاعة في رمضان، أدرك أن القرب من الله ليس موسمًا، بل منهج حياة.
فلماذا لا نجعل حياتنا كلها مثل رمضان؟ صفاء في القلب، وإخلاص في الطاعة، وإحسان في المعاملة. لماذا نسمح للعادة أن تطغى على العبادة؟ ولماذا نرضى أن نكون ربانيين شهرًا، ثم نغفل دهرًا؟!
وليست الإشكالية في اختلاف مقدار العبادة التي يقوم بها العبد في تلك المواسم، فعبادة النبي ﷺ الذي أمرنا الله عز وجل أن نتأسى به نجد أنه كان أكثر اجتهاداً في العبادة في رمضان، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: « كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، إِنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام كَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ. [صحيح مسلم (2308)]، وقَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ». [صحيح مسلم (1175)]
فلا تترك الباب الذي فُتح لك، فالمطلوب من العبد أن يداوم على مجالات الخير التي طَرَقها في رمضان، سواء أكانت قيام ليل أو قراءة قرآن أو ذكر أو صدقة.. أو غير ذلك ولو بمقدار أقل؛ لأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، وَكَانَ إِذَا نَامَ مِنَ اللَّيْلِ أَوْ مَرِضَ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً». [صحيح مسلم (746)]
إن أبرز ما في هذه المواسم المباركة أنها تقنع العبد بأن بإمكانه أن يفعل الكثير والكثير متى ما أخذ نفسه بمأخذ الجد وقوّى استعانته وصلته بالله عز وجل.
إنها تجعل من العبد نفسه قدوة عملية لنفسه، إذ بإمكانه بأن يفعل ما فعل من خيرات، بدليل أنه فعل!، والتجربة خير برهان، والواقع أكبر دليل، والملهيات والعوائق النفسية والاجتماعية وغيرها التي تجاوزها في موسم الخير يمكنه تجاوزها في غيره كما تجاوزها فيه، فلنبادر، ونعد البرامج الخيرة التي سنسير عليها حتى الموسم القادم ومحطة التزود الأخرى.
رمضان يعلِّمنا أن الطاعة ميسورة، وأن الخير باقٍ فينا، فما علينا إلا صدق العزيمة، وحسن التوكل، واستحضار مراقبة الله سبحانه وتعالى في كل حين.
ما بعد رمضان هو الامتحان الحقيقي... من علامات قبول الطاعة أن تتبعها طاعة، ومن دلائل الإخلاص أن تواصل الطريق وإن قلّ الزاد. فصيام الست من شوال، وصلاة الضحى، ووتر الليل، وقراءة القرآن... كلها منارات على الطريق، لا تتركها تنطفئ.
اجعل من رمضان نقطة انطلاقٍ لا محطة توقف، وكن ممن قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: 13].
هؤلاء لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لأنهم عرفوا طريق القرب، وساروا فيه بثبات، فلا تتوقف بعد أن ذقت حلاوة الوصول، واستقم على طاعة ربك، وداوم ولو على القليل من العمل الصالح، واسأله الثبات حتى الممات.
فما بعد رمضان هو الامتحان: هل نُثبت أن ما عِشناه كان بدايةً لا نهايةً، وأن أرواحنا لا تعود إلى التيه بعد أن ذاقت حلاوة القرب؟ وكيف لا نكون ممن عبدوا الله شهرًا، ثم هجروا الطاعة دهرًا؟!
ومما شرع الله تعالى لنا عقب رمضان صيامُ ستة أيام من شوال؛ كما جاء في حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ.». [صحيح مسلم (1164)]، فلا تحرموا أنفسكم الخير، والتزود منه؛ استمر ولو بالقليل؛ واجعل لنفسك وردًا يوميًا لا تُفرّط فيه، ولو صفحة من القرآن، أو ركعتين من قيام الليل، أو صدقة يسيرة، فإنكم بحاجة للأعمال الصالحة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 197] والحمد لله رب العالمين. انشر تؤجر.
اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy