قبل أيام قليلة، كنا في شهر رمضان، نعيش أجواء البر والخير، نصوم النهار ونقوم الليل، ونملأ الأوقات بالطاعات والعبادات، أملاً في رحمة الله وطمعًا في ثوابه. ولكن رمضان قد رحل سريعًا كما لو أنه لم يكن سوى لحظات عابرة، ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ ومع رحيله انتهت مرحلة من حياتنا لن تعود، تاركًا في قلوبنا أثرًا عميقًا ودروسًا عظيمة.
الأيام تمر سريعًا، وما هي إلا مراحل نقضيها ونحن في طريقنا إلى الدار الآخرة. رمضان كان محطة عظيمة للعبادة والتقرب إلى الله، وقد خُتمت فيه أعمالنا وأفعالنا. لذلك، من كان مخطئًا يجب أن يبادر بالتوبة قبل أن يُغلق بابها، ومن كان ملتزمًا بالطاعة، عليه أن يستمر على هذا النهج ويشكر الله -عز وجل- على التوفيق والقبول.
فضل صيام ستة أيام من شوال
من أبرز الأعمال الصالحة بعد رمضان صيام ستة أيام من شهر شوال، وهذا يعدل صيام الدهر كله.
عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ». [صحيح مسلم (1164)]
وقد فسر ذلك ﷺ «عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ كَانَ تَمَامَ السَّنَةِ {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعَام: 160]». [(صحيح) سنن ابن ماجه (1715)]
وفي رواية «صِيَامُ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصِيَامُ السِّتَّةِ أَيَّامٍ بِشَهْرَيْنِ، فَذَلِكَ صِيَامُ السَّنَةِ»، يَعْنِي رَمَضَانَ وَسِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَهُ. [صحيح ابن خزيمة (3/ 298) وقال الأعظمي: إسناده صحيح]
وفي رواية «جعل الله الحسنة بعشر أمثالها الشهر بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بعد الشهر تمام السنة». [(صحيح) صحيح الجامع (3094)]،
قال الإمام ابن قدامة: «صوم ستة أيام من شوال مستحب عند كثير من أهل العلم.». [المغني (4/ 438)]
فوائد صيام الست من شوال
- صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان يستكمل بها أجر صيام الدهر كله.
2- صيام شوال وشعبان كصلاة السنن الرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها فيكمل بذلك ما حصل في الفرض من خلل ونقص فإن الفرائض تجبر أو تكمل بالنوافل يوم القيامة».
3- معاودة الصيام بعد صيام رمضان علامة على قبول صوم رمضان فإن الله إذا تقبل عمل عبد وفقه لعمل صالح بعده كما قال بعضهم: ثواب الحسنة الحسنة بعدها فمن عمل حسنة ثم اتبعها بعد بحسنة كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى كما أن من عمل حسنة ثم اتبعها بسيئة كان ذلك علامة رد الحسنة وعدم قبولها.
4. شكر نعمة الله على المغفرة:
صيام رمضان يُوجِبُ مغفرةَ ما تقدَّم من الذنوب، فتكونُ معاودةُ الصيام بعد الفطر شُكرًا لهذه النعمة، فلا نعمةَ أعظمُ من مغفرةِ الذنوب.
وقد أمر الله سبحانه وتعالى عبادَه بشُكرِ نعمةِ صيام رمضان بإظهارِ ذِكره، وغيره ذلك من أنواع شُكرِه، فقال: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُم تَشكُرُونَ﴾ [البقرة: 185]، فمن جُملةِ شُكرِ العبد لربِّه على توفيقهِ لصيامِ رمضانَ وإعانتِه عليه ومغفرة ذنوبه: أن يصومَ له شُكرًا عَقِبَ ذلك، وقد كان بعضُ السلف إذا وُفِّق لقيام ليلةٍ من الليالي أصبحَ في نهارِه صائمًا، ويجعلُ صيامَه شكرًا للتوفيقِ للقيام.
5. الاستمرار في الطاعة:
الأعمال التي كان العبد يتقرب بها إلى ربه في شهر رمضان لا تنقطع بانقضاء رمضان بل هي باقية بعد انقضائه ما دام العبد حيا». [ينظر لطائف المعارف (220 :222)]
تنبيهات وأحكام
1ـ الأفضل أن تصام الستة متوالية عقب يوم الفطر فإن فرقها أو أخرها عن أوائل شوال إلى أواخره حصلت فضيلة المتابعة لأنه يصدق أنه أتبعه ستا من شوال». [شرح مسلم (8/ 56)]
- ـ على من عليه قضاء أيام من رمضان أن يبدأ بالقضاء ثم صيام الست من شوال، للحصول على فضل صيام الدهر.
وقد اختلف العلماء في ذلك، والصواب أن المشروع تقديم القضاء على صوم الست وغيرها من صيام النفل.. ومن قدم الست على القضاء لم يتبعها رمضان، وإنما أتبعها بعض رمضان، ولأن القضاء فرض، وصيام الست تطوع، والفرض أولى بالاهتمام والعناية.. [مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (15/ 392)]
وقال البعض: إن قول النبي ﷺ:"ثُمَّ اتبعه سِت مِن شَوَّال"، خرج مخرج الغالب فليس له مفهوم، فيجوز حينئذ صيام الست قبل قضاء رمضان، لا سيما لمن ضاق عليه شوال لو قضى ما عليه، والله أعلم.
3. صيام هذه الأيام ليس فرضًا وإنما تطوعًا.
صيام الست من شوال هو امتداد لجمال الطاعة في رمضان، وفرصة لمواصلة السير نحو الخير.
وإن انقضى شهر رمضان؛ فإن عمل المؤمن لا ينقضي قبل الموت، قال ﷺ «إذا مات أحدكم انقطع عمله..» فلم يجعل لانقطاع العمل غاية إلا الموت، فلئن انقضى صيام شهر رمضان؛ فإن المؤمن لن ينقطع من عبادة الصيام بذلك، فالصيام لا يزال مشروعا ولله الحمد في العام كله.
فلنغتنم هذه الفرصة ولنكن ممن يحافظون على الطاعات ويستمرون في الأعمال الصالحة بعد رمضان، سائلين الله القبول والمغفرة.
انشر تؤجر.
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وآله أجمعين.








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy