فوائد المصلي


حكم من صلى لغير القبلة جاهلًا أو ناسيًا أو مجتهدًا فأخطأ القبلة، أو سأل عن القبلة فدُل على غير وجهتها!

benefitsImg
31 1509 12/17/2017 3:07:55 PM

يشترط لصحة الصلاة استقبال القبلة، فلو صلى إلى غير القبلة مع قدرته على استقبالها، فصلاته باطلة؛ لقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه} [البقرة: 144]، وقوله عليه الصلاة والسلام في حديث المسيء صلاته: (ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ) رواه البخاري (6667).

فإذا صلى الإنسان ثم تبين له أنه كان منحرفًا عن القبلة، فإن كان الانحراف قليلاً فإن هذا لا يضر ولا تبطل به الصلاة؛ لأن الواجب على من كان بعيدًا عن الكعبة أن يتجه إلى جهتها، ولا يشترط في حقه أن يكون اتجاهه إلى عين الكعبة، لما رواه الترمذي ( 342 ) وابن ماجه ( 1011 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ ) صححه الألباني في إرواء الغليل (292).

قال الصنعاني رحمه الله في سبل السلام (1/260) : " والحديث دليل على أن الواجب استقبال الجهة، لا العين في حق من تعذرت عليه العين". انتهى .

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : "وبهذا نعرف أن الأمر واسع، فلو رأينا شخصًا يصلي منحرفًا يسيرًا عن محاذاة القبلة، فإن ذلك لا يضر، لأنه متجه إلى الجهة " انتهى من "الشرح الممتع" (2/273).

وأما إن كان الانحراف عن جهة الكعبة كثيرًا؛ بحيث تكون الصلاة إلى غير الجهة التي فيها القبلة بأن تكون القبلة خلفه أو عن يمينه أو شماله ففيه تفصيل:

1- فإن كان الإنسان قد تحرى واجتهد، فلا يلزمه إعادة الصلاة، لأنه أدى ما عليه، لقول الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16].

وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (6/314) : " إذا اجتهد المصلي في تحري القبلة وصلى، ثم تبين أن تحريه كان خطأ، فصلاته صحيحة" انتهى.

2- وأما إذا لم يجتهد ولم يتحرّ، فيلزمه إعادة الصلاة.

قال الشيخ ابن عثيمين في "الشرح الممتع" (2/287): "إذا صلى بغير اجتهاد ولا تقليد، فإن أخطأ أعاد، وإن أصاب لم يُعد على الصحيح" اهـ.

و " التقليد" أن يسأل ثقة عن اتجاه القبلة ويتبع قوله.

وعلى هذا، فإذا كان الانحراف عن جهة القبلة كثيرًا فيلزم إعادة الصلاة.

فقد ذهب فقهاء الحنفية إلى أن صلاة من أخطأ جهة القبلة صحيحة لا تلزمه إعادتها إن اجتهد فأداه اجتهاده إلى تلك الجهة. وأما إن صلى بغير اجتهاد أو أمكنه السؤال عن جهة القبلة فلم يفعل فعليه الإعادة. الاختيار لتعليل المختار (1/ 47).

وعند المالكية أن من صلى إلى غير القبلة باجتهاد لم تلزمه الإعادة، وإنما تندب له في الوقت، أي لم يدخل وقت الصلاة التي تليها. الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (1/ 227).

وأما الشافعية فالواجب عندهم القضاء بكل حال ما دام قد تبين الخطأ. منهاج الطالبين وعمدة المفتين في الفقه للنووي (24).

وأما الحنابلة ففرقوا بين الحضر والسفر، فأوجبوا الإعادة على من أخطأ جهة القبلة في الحضر مطلقًا على الصحيح عندهم. الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (2/ 15).

وعليه فمن صلى إلى غير جهة القبلة باجتهاد فلا تلزمه الإعادة عند كثير من العلماء، وتلزمه عند كثير منهم ما دام قد تبين له الخطأ.

وأما إن قصر في الاجتهاد أو سؤال الثقة فالإعادة واجبة عليه بلا شك. وهذا كله ما لم يكن انحرافك عن القبلة انحرافًا يسيرًا لا تخرج به عن استقبال جهة الكعبة، وإلا فإن كان الانحراف يسيرًا فصلاتك صحيحة عند جمهور العلماء.

وأما من صلى لغير القبلة ناسيًا أو ساهيًا، فقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء فأجابت: "فمن صلى إلى غير القبلة تفريطاً منه، حيث لم يسأل ولم ينظر في الأدلة التي تدل على اتجاه القبلة: فإنه يعيد الصلاة؛ لأن استقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة مع القدرة عليه، فعليه الإعادة وهكذا من صلى إلى غير القبلة ساهيًا تلزمه إعادة الصلاة؛ لإخلاله بشرط من شروطها، وبالله التوفيق" انتهى من " فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الثانية " (5/294).

فعلى هذا، من صلى لغير القبلة ناسيًا تلزمه إعادة تلك الصلاة التي وقعت في غير جهة القبلة.

لأن الصلاة التي اشتغلت بها ذمته، لا تسقط عنه حتى يأتي بها على وجهها الذي شرعه الله.