فوائد المصلي


قصة وعظة لثلاثة أخوة كُتب على قبر كل واحد منهم بيت شعر له! (قصة رائعة)

benefitsImg
28 1743 11/30/2017 7:17:26 PM

عن عبيد الله بن صدقة بن مرداس البكري عن أبيه قال: نظرت إلى ثلاثة أقبر على شرف من الأرض مما يلي بلاد أنطاكية فإذا على أحدها مكتوب:

وكيف يلذ العيش من هو عالم... بأن إله الخلق لا بد سائله

فيأخذ منه ظلمه لعباده... ويجزيه بالخير الذي هو فاعله

وإذا على القبر الثاني:

وكيف يلذ العيش من كان موقنًا... بأن المنايا بغتة ستعاجله

فتسلبه ملكًا عظيمًا ونخوة... وتسكنه البيت الذي هو آهله

وإذا على القبر الثالث إلى جنبهما:

وكيف يلذ العيش من كان صائرًا... إلى جدث تبلي الشباب مناهله

ويذهب رسم الوجه من بعد صونه... سريعًا ويبلى جسمه ومفاصله

وإذا هي قبور مسنمة على قدر واحد مصطفة.

فقلت لشيخ جلست إليه: لقد رأيت في قريتكم عجبًا قال: وما رأيت؟ فقصصت عليه قصة القبور قال: فحديثهم أعجب مما رأيت على قبورهم.

قال: فقلت: حدثني.

قال: كانوا ثلاثة إخوة، أمير يصحب السلطان ويؤمر على المدائن والجيوش، وتاجر موسر مطاع في خاصته، وزاهد قد تخلى لنفسه وتفرد لعبادته.

قال: فحضرت أخاهم العابد الوفاة، فاجتمع عنده أخواه، وكان الذي يصحب السلطان منهم قد ولي بلادنا هذه، أمره عليها عبد الملك بن مروان، وكان ظالمًا غشومًا متعسفًا، فاجتمعا عند أخيهما لما احتضر فقالا له: أوص قال: لا والله ما لي من مال فأوصي فيه، ولا لي على أحد دين فأوصي به، ولا أخلف من الدنيا شيئًا فأسلبه.

فقال له: أخوه ذو السلطان: أي أخي! قل لي ما بدا لك فهذا مالي بين يديك، فأوص منه بما أحببت، وأنفذ منه ما بدا لك، واعهد إلي بما شئت. قال: فسكت عنه.

فقال: أخوه التاجر: أي أخي! قد عرفت مكسبي وكثرة مالي، فلعل في قلبك غصة من الخير لم تكن تبلغها إلا بالإنفاق فيها، فهذا مالي بين يديك فاحتكم فيه، فما أحببت ينفذ لك أخوك.

فأقبل عليهما فقال: لا حاجة لي في مالكما، ولكني سأعهد إلكما عهدًا فلا تخالفا عهدي. قالا: اعهد. قال: إذا مت فغسلاني وكفناني وادفناني على نشز من الأرض واكتبا على قبري:

وكيف يلذ العيش من هو عالم... بأن إله الخلق لا بد سائله

فيأخذ منه ظلمه لعباد... ويجزيه بالخير الذي هو فاعله

فإذا أنتما فعلتما ذلك فأتياني كل يوم مرة لعلكما أن تتعظا.

قال: ففعلا ذلك لما مات. قال: وكان أخوه يركب في جنده حتى يقف على القبر فينزل فيقرأ ما عليه ويبكي. فلما كان في اليوم الثالث جاء كما كان يجيء مع الجند، فنزل فبكى كما كان يبكي، فلما أراد أن ينصرف سمع هدة من داخل القبر كاد ينصدع لها قلبه، فانصرف مذعورًا فزعًا.

فلما كان الليل رأى أخاه في منامه فقال: أي أخي! ما الذي سمعت من قبرك؟ قال: قيل لي رأيت مظلومًا فلم تنصره.

قال: فأصبح مهمومًا، فدعا أخاه وخاصته وقال: ما أرى أخي أراد بما أوصانا أن نكتب على قبره غيري، وإني أشهدكم أني لا أقيم بين ظهرانيكم أبدًا. قال: فترك الإمارة ولزم العبادة وكتب إلى عبد الملك بن مروان في ذلك. فكتب أن خلوه وما أراد.

فكان إنما يأوي الجبال والبراري حتى حضرته الوفاة في هذا الجبل وهو مع بعض الرعاة، فبلغ ذلك أخاه فأتاه فقال: أي أخي! ألا توصي قال: بم أوصي؟ ما لي من مال فأوصي به، ولكن أعهد إليك عهدًا إذا أنا مت فبوأتني قبري فادفني إلى جنب أخي واكتب على قبري:

وكيف يلذ العيش من كان موقنًا... بأن المنايا بغتة ستعاجله

فتسلبه ملكًا عظيمًا ونخوة... وتسكنه القبر الذي هو آهله

ثم تعاهدني ثلاثًا فادع لي لعل الله أن يرحمني.

قال: فمات ففعل به أخوه ذلك فلما كان اليوم الثالث من إتيانه إياه فدعا له وبكى عند قبره فلما أراد أن ينصرف سمع وجبة من القبر كادت تذهل عقله فرجع متقلقلًا.

فلما كان من الليل إذا بأخيه في منامه قد أتاه قال ذلك الرجل: فلما رأيت أخي وثبت إليه فقلت: أي أخي! أتيتنا زائرًا؟ قال: هيهات أخي! بعد المزار واطمأنت بنا الديار قلت: أي أخي! كيف أنت؟ قال: بخير ما أجمع التوبة لكل خير! قال: قلت: فكيف أخي؟ قال: ذلك مع الأئمة الأبرار قال: قلت: فما أمرنا قبلكم؟ قال: من قدم شيئًا من الدنيا والآخرة وجده، فاغتنم وجدك قبل فقرك.

قال: فأصبح أخوه معتزلًا للدنيا قد انخلع منها، وأقبل على طاعة الله تعالى قال: ونشأ له ابن كأهيأ الشباب وجهًا وجمالًا، فأقبل على التجارة حتى بلغ منها، وحضرت أباه الوفاة فقال له ابنه: يا أبت ألا توص؟ قال: والله يا بني! ما لأبيك مال فيوصي فيه، ولكني أعهد إليك عهدًا، إذا أنا مت فادفني مع عمومتك واكتب على قبري هذين البيتين:

وكيف يلذ العيش من هو صائر... إلى جدث تبلي الشباب منازله

ويذهب رسم الوجه من بعد صونه... سريعًا ويبلى جسمه ومفاصله

فإذا فعلت ذلك فتعاهدني بنفسي ثلاثًا فادع لي.

المصدر: التوابين لابن قدامة (88: 91).