فوائد المصلي


تعرف على جزيرة كريت التي فتحها المسلمون، وكيف هي اليوم؟!

benefitsImg
19 1117 11/13/2017 2:59:13 PM

جزيرة كريت من أشهر جزر البحر المتوسط التي فتحها المسلمون وكانت قصة فتحها عجيبة،

ففي زمن خلافة المأمون العباسي غزا المسلمون جزيرة كريت أو إقريطش وذلك عن طريق القائد أبي حفص عمر بن عيسى الأندلسي المعروف بالإقريطشي؛ أحد قادة الثورة على الحكم بن هشام الربضي أمير الأندلس الذي ساءت العلاقة بينه وبين الفقهاء ورجال الدين لانغماسه في اللهو.

وقد قام أمير الأندلس الحكم الربضي بقمع هذه الثورة فافترق هؤلاء الثوار الأندلسيون، فذهب فريق منهم لفاس من أرض المغرب، ولحق الباقي بالإسكندرية من أرض المشرق، ونزلوا في ضواحيها في أوائل عصر الخليفة العباسي المأمون سنة 200هـ، وكانت الأحوال في مصر مضطربة؛ إذ انتقلت إليها عدوى الخلافات التي نشبت بين الأمين والمأمون؛ فانتهز الأندلسيون المهاجرون فرصة هذه الفتن واستولوا على الإسكندرية بمعاونة أعراب البحيرة، وأسَّسوا فيها إمارةً أندلسيَّةً مستقلَّةً عن الخلافة العباسية دامت أكثر من عشر سنوات.

 وعندما استتبَّ الأمر للخليفة المأمون أرسل قائده عبد الله بن طاهر بن الحسين إلى مصر لإعادة الأمور إلى نصابها سنة 212هـ، فأرسل إلى هؤلاء الأندلسيِّين يُهدِّدهم بالحرب إن لم يدخلوا في الطاعة، فأجابوه إلى طلبه حقنًا للدماء، واتفقوا معه على مغادرة الديار المصرية، وعدم النزول في أرضٍ تابعةٍ للعباسيين.

 ثم اتجه هؤلاء الأندلسيون بمراكبهم إلى جزيرة كريت وكانت تابعةً للدولة البيزنطية في أسطولٍ من أربعين سفينة، ونزلوا فجأةً في خليج سودا في كريت فاستولوا عليها بقيادة زعيمهم أبي حفص عمر سنة (212هـ/825م)، ومن الواضح أنَّ المسلمين الأندلسيين لم يجدوا مقاومةً من قِبَلِ سكان الجزيرة؛ ولعلَّ ذلك راجعٌ إلى ما يكنُّه هؤلاء السكان من الكراهية للبيزنطيين؛ بسبب سوء سيرة عمَّالهم وظلمهم، وبسبب الظلم الضريبي والإداري فضلا عن الاضطهاد الديني.

ولم تلبث جزيرة كريت منذ ذلك الوقت أن صارت قاعدةً بحريَّةً إسلاميَّةً هامَّة، ومصدر تهديدٍ مستمرٍّ لجزر وسواحل الدولة البيزنطية؛ إذ أخذ الأسطول الكريتي يُغير على سواحل بيزنطة وممتلكاتها وتجاراتها، ممَّا تسبَّب عنه وقوع اضطرابات اقتصاديَّة وسياسيَّة كبرى داخل أراضي الدولة البيزنطية.

وظل الأندلسيون يحكمون الجزيرة حتى سنة (350هـ - 961م)، أي مكث الحكم الإسلامي لكريت هذه المرة مائة وأربعين عامًا، واعتنق معظم سكان الجزيرة الإسلام، ثم استولى البيزنطيون على الجزيرة مرة أخرى، وعاد الاضطهاد الديني للمسلمين بالجزيرة، وفي مستهل القرن السابع الهجري اشترت جمهورية البندقية جزيرة كريت من دون منتسيرات برنيفاس، وحكم البنادقة الجزيرة حكمًا استبداديًا وحاولوا نشر المذهب الكاثوليكي بين سكان الجزيرة، وكان أهلها يعتنقون المذهب الأرثوذكسي، وأمام الاضطهاد الديني والحكم المتعسف هاجر الكثير من أهل الجزيرة إلى البلاد الإسلامية واعتنق الكثير منهم الإسلام.

واستنجد أهل الجزيرة بالأتراك العثمانيين لتخليصهم من حكم البنادقة، فأرسل العثمانيون حملة لفتح جزيرة كريت في سنة (1080هـ 1669م) وعاد الحكم الإسلامي لجزيرة كريت مرة ثانية، وساد التسامح الديني بالجزيرة، ورجع المذهب المسيحي اليوناني مرة ثانية إلى كريت، وأمام تسامح المسلمين اعتنق الكثير من أهل الجزيرة الإسلام، ففي مدة لا تزيد عن قرن من حكم الأتراك اعتنق نصف سكان جزيرة كريت الإسلام طواعية، وانتشر الإسلام في المدن والقرى وفي جميع أنحاء كريت في ظل الحكم التركي، ولم يحاول الأتراك تغيير لغة الجزيرة أو التدخل الإجباري في دين أهلها.

وفي أثناء القرن الثالث عشر الهجري انتهزت الدول الأوروبية خصوصًا روسيا ضعف الدولة العثمانية، وحاولوا التدخل إلى جانب اليونان ضد تركيا، وخاضت الدولة العثمانية عدة حروب في كريت وشبه جزيرة المورة، وتدخلت مصر إلى جانب السلطان العثماني، ومنح محمد علي حكم كريت بين سنتي (1240هـ - 1256م)، واستمر الصراع مدة طويلة حتى سنة 1316هـ - 1898م عندما دولت كريت، ومنحت بعد ذلك لليونان في سنة 1332هـ - 1913م، وفي خلال السنوات الأولى من حكم اليونانيين للجزيرة هاجر عدد كبير من المسلمين بكريت إلى خارجها لا سيما إلى تركيا ومصر وليبيا، فقل عدد المسلمين بالجزيرة، حيث بلغ عددهم تسعين ألف نسمة بعد سنة ألف وثلاثمائة وست عشرة هجرية، واستمر تناقص المسلمين نتيجة الاضطهاد الديني، فقل عددهم وتدهور حتى وصل إلى ثلاثة وثلاثين ألف مسلم في سنة ألف وثلاثمائة وسبع وعشرين هجرية، أي قل العدد إلى الثلث في مدة لم تتجاوز إحدى عشرة سنة، ويقدر عددهم حاليًا في المناطق التي هاجروا إليها بحوالي 450 ألف نسمة (خارج كريت)، وما زال المسلمون يعانون من الاضطهاد والتعسف فتقلص التعليم الديني إلى ساعتين في الأسبوع، ولم يسمح لهم ببناء مدارس جديدة لتعليم أبنائهم، وحرم عليهم بناء أو إصلاح المساجد.

وكانت المدارس الإسلامية والمساجد منتشرة في ظل الحكم الإسلامي بالجزيرة في مدن هراقليون وكانيا وستيا وغيرها وحرم على المسلمين بيع أراضيهم لإخوانهم المسلمين من سكان الجزيرة، واستخدم هذا كعنصر ضغط لتهجيرهم من كريت، وأمام هذه الظروف اضطرت الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي أن تشير إلى معاناة المسلمين بجزيرة كريت بل في اليونان عامة، وذلك في مذكرتها التي رفعت إلى مؤتمر القمة الإسلامي الثالث بمكة المكرمة وطالبت بتقديم العون لهم.

ولقد خلف المسلمون وراءهم العديد من المساجد والمدارس الإسلامية بكريت، ومن أبرز مساجد كريت مسجد السلطان إبراهيم في مدينة الخندق عاصمة الجزيرة، ولقد حول المسجد إلى كنيسة سانت نيكولاس، وكذا كان التعصب والتحدي.