رمضان في ضمير المؤمن موسم قربة وإخبات، واستكثار من الأعمال الصالحات. وقد تعرض هذا الوعي الإيماني في السنوات الأخيرة لقدر من التشويه والانحراف؛ فصار في حس بعض الناس موسماً للتسوق والتفنن في الأكلات والوجبات، وعند آخرين مهرجاناً للأفلام والمسرحيات التي تقيء بها الفضائيات، ويقترن عند طائفة بذكر النوم والكسل وترك الأعمال والواجبات. وكل هذا وذاك باطل لا أصل له في تعاليم الإسلام، وإنما طرأ على مجتمعات المسلمين في غيبة من العلم وغفلة عن الذكر.
أولاً: تلاوة القرآن
إن من أخص العبادات بشهر رمضان ما يتعلق بالقرآن العظيم؛ تلاوةً، وتدبراً، ومدارسةً، وقياماً. فهو شهر القرآن، قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ} [البقرة: 185].
وقد كان نبينا ﷺ يخص القرآن بمزيد من العناية، فقد جاء عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ».. [صحيح البخاري (6)، (1902)، ومسلم (2308)]
قال ابن رجب، رحمه الله: (فيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان ... فدلّ على استحباب الإكثار من التّلاوة في رمضان ليلا؛ فإن الليل تنقطع فيه الشواغل، وتجتمع فيه الهمم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبّر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: 6] [لطائف المعارف (ص302)] [البقرة: 185].
سار على هذا النهج الصحابة والسلف الصالح، فكانوا يكثرون من ختم القرآن في رمضان.
- كان الأسود بن يزيد يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين... وكان يختم القرآن في غير رمضان في كل ست ليالٍ.
- عن سعيد بن جبير أنّه كان يختم القرآن في كل ليلتين وقيل: كان الوليد بن عبد الملك يختم في كل ثلاثٍ، وختم في رمضان سبع عشرة ختمة.
- وكان قتادة يختم القرآن في سبع، وإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاثٍ، فإذا جاء العشر ختم كل ليلةٍ» [موسوعة محاسن الإسلام (10/ 12)]
قال ابن رجب: «وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك. فأما في الأوقات المفضلة ... فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن». [لطائف المعارف (ص400)]
ومن دواعي الأسى أن يمر رمضان ببعض المسلمين دون أن يختموا القرآن ولو مرة واحدة!
ومما يعين على كثرة التلاوة:
- أن يواظب الصائم على القعود في مصلاه بعد صلاة الصبح، مشتغلاً بذكر الله وقراءة القرءان، حتى ترتفع الشمس.
- الاجتماع مع الأصحاب على قراءة القرآن.
- التبكير إلى الصلوات وقراءة ما تيسر قبلها وبعدها.
وفي تطبيق المصلي تم إضافة المصحف بمميزات رائعة يمكنك التصفح من هنا:
https://almosally.page.link/NEW_Moshaf
ثانياً: تدبر القرآن
تلاوة القرآن لا يكون بعدد الصفحات، بل بمدى التأمل والتدبر. وكان النبي ﷺ يقرأ بترتيل، ويمكن تحقيق التدبر من خلال التمهل في القراءة، والتكرار، والتأمل في معاني الآيات قال تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) وقال: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد: 24].
إن ثمرة التدبر حصول الهدى والبشرى. ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 9] «فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن، وإطالة التأمل فيه، وجمع الفكر على معاني آياته». [مدارج السالكين (1/ 450)]
ومن وسائل التدبر:
التلاوة بترتيل وطمأنينة: فقد كان النبي ﷺ يقرأ بتمهل وتدبر.
عَنْ حَفْصَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا. حَتَّى كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ. فَكَانَ يُصَلِّي فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا. وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسُّورَةِ فَيُرَتِّلُهَا. حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أطول منها.». [صحيح مسلم (733)]
عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ. فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ. ثُمَّ مَضَى. فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ! فَمَضَى فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا! ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا. يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ. ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ. فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ. ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. ثُمَّ قَامَ طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى، فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ»، قَالَ: وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ مِنَ الزِّيَادَةِ فَقَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. [صحيح مسلم (772)]
ثانياً: ترداد الآية: عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةً فَقَرَأَ بِآيَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ، يَرْكَعُ بِهَا وَيَسْجُدُ بِهَا: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118]، فَلَمَّا أَصْبَحَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا زِلْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى أَصْبَحْتَ، تَرْكَعُ بِهَا وَتَسْجُدُ بِهَا! قَالَ: " إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي الشَّفَاعَةَ لِأُمَّتِي فَأَعْطَانِيهَا، وَهِيَ نَائِلَةٌ - إِنْ شَاءَ اللهُ - لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا». [مسند أحمد بإسناد حسن (21328)]
التأمل في معاني الآيات وربطها بالواقع.
الاستفادة من كتب التفسير لفهم المعاني.
ثالثاً: قيام الليل بالقرآن
قال تعالى: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا) [المزمل: 6]. وكان النبي ﷺ يطيل قيامه بالقرآن حتى تتفطر قدماه.
إن قيام الليل بالقرآن من أعظم أسباب تدبره وتأثر القلب به، خاصة في رمضان، حيث تتهيأ النفوس للخشوع والتقرب إلى الله.
وقد أنشأنا ختمة نتعرف فيها على معاني غريب القرآن، ونتدبر آيات الله كل يوم، فرمضان شهر القرآن. انضم للختمة من هنا:
https://almosally.page.link/Khatma
فلنجعل هذا الشهر بداية عهد جديد مع كتاب الله، ولنشارك هذه الفائدة مع الآخرين حتى يعم الخير، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy