فوائد المصلي


يعقوب الكندي... الطبيب الموسوعي!

benefitsImg
11 776 11/2/2017 3:43:03 PM

لا شكَّ أن مهنة الطب من أعظم المهن على وجه الأرض؛ لأنها تهتمُّ بالإنسان خليفة الله في أرضه، وقد ساهمت الحضارة الإسلامية عبر رُوَّادها الأفذاذ في رُقِيِّ هذا العلم وازدهاره، ومن هؤلاء الأفذاذ عالم تخصَّص في علوم الطب والفلسفة والرياضيات والفلك، وغيرها من العلوم، إنه أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي، الطبيب الفيلسوف، العالم الفلكي، صاحب التصانيف الكبيرة في الطب، والحساب والنجوم والفلك، وغيرها الكثير.

وُلِدَ أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي بالكوفة سنة (185 هـ/ 805م)، وتوفي في بغداد سنة (260هـ/ 873م)، ونشأ بالبصرة، وانتقل إلى بغداد، وقد تلقى تعليمه في كلٍّ منهما.

 ومَن تتَّبع سيرته تبيَّن أنه نشأ في بيئة ذات حسب وشرف؛ فأبوه إِسْحاق كان أميرًا على الكوفة للمهدي والرشيد، والجدير بالذكر أن نسبه ينتهي إلى الصحابي الجليل (الأشعث بن قيس)، وقد كان قبل ذلك أميرًا على جميع كندة، وكان أبوه قيس بن معد يكرب أميرًا على جميع كندة أيضًا.

وقد اتصل يعقوب الكندي بحُكَّام عصره، وكانت هناك علاقة وطيدة بينه وبين المأمون والمعتصم وابنه أحمد المتوكل، وعَمِل في بلاطهم بكل إخلاص وتفانٍ لخدمة العلم والعلماء؛ لذا أُسند إليه عمل الطبيب وديوان الخراج في قصر الخلافة مدَّة طويلة من الزمن.

ولم تكن عناية الخلفاء بالكندي إلاَّ لمنزلته وعلمه الموسوعي؛ حيث نجد له كتبًا له في الطب، والحساب، والفلك، والرياضيات، وعلم النجوم، والهندسة، والفلسفة والمنطق.

كما أجاد الكندي الترجمة؛ حيث ترجم كتاب (المجسطي) لبطليموس، وكتاب (الأدوية المفردة) لجالينوس في الطب؛ لذلك يُعَدُّ الكندي من حُذَّاق الترجمة.

أما إذا تحدَّثنا عن كتبه في المجال الطبي، فسنجد أننا أمام عالم متمرِّس في الطب كتمرُّسه في الفلك والفلسفة، وسنجد أن قيمته العلمية لا تقلُّ بحال عن أفذاذ الطب؛ كالزهراوي، وابن زهر، وغيرهما؛ وممَّا صنَّفه ما يلي:

كتاب الطب البقراطي، ورسالة في الغذاء والدواء المهلك، ورسالة في الأبخرة المصلحة للجو من الأوباء، ورسالة في الأدوية المشفية من الروائح المؤذية، ورسالة في كيفية إسهال الأدوية وانجذاب الأخلاط، ورسالة في علم نفث الدم، وفي تدبير الأصحاء، وفي كيفية الدماغ، وفي علة الجذام وأشفيته، وفي وجع المعدة والنقرس، وفي علاج الطحال، وفي الحيلة لدفع الأحزان، وجوامع كتاب الأدوية المفردة لجالينوس، ورسالة في الإبانة عن منفعة الطب، وغيرها كثير .

وعلى هذا فإن الكندي كان رجلاً فريدًا في عصره؛ فله أكثر من عشرين رسالة في العلوم الطبية وحدها، وقيل: له أكثر من ألف كتاب في كل معنى، حتى لُقِّب بفيلسوف العرب.

وتظهر عبقرية الكندي وتمرُّسه في مجال الطب، في وصيته للأطباء، إذ يقول: وليتق الله تعالى المتطبب ولا يخاطر، فليس عن الأنفس عوض.

وقال: وكما يحب أن يقال له: إنه كان سبب عافية العليل وبرئه. كذلك فليحذر أن يقال: إنه كان سبب تلفه وموته.

وقال: العاقل يظن أن فوق علمه علمًا، فهو أبدًا يتواضع لتلك الزيادة؛ والجاهل يظن أنه قد تناهى، فتمقته النفوس لذلك.

هكذا كانت حياة الكندي بحرًا من العلوم، فقد ساهم في علم الطب بنصيب وافر، كما ساهم في غيره من العلوم، فأصبحت مصنَّفاته في الطب متداولة في كل أرجاء العالم، تشهد على عبقريته ونبوغه.

المصدر: كتاب (قصة العلوم الطبية في الحضارة الإسلامية) للدكتور راغب السرجاني.