فوائد المصلي


كيف تم التعدي على الأشهر الحرم في الجاهلية؟!

benefitsImg
9 748 9/27/2017 4:01:49 PM

ظل العربُ أمدًا طويلًا محافظين كل المحافظة على حرمةِ هذه الشهور في مواقيتها، حتى إن الرجل منهم كان يلقَى قاتلَ أبيه فيها فلا يمسُّه بسوء، بَيْدَ أنه قد شقَّ على بعضهم الكفُّ عن القتال ثلاثة أشهر متواليات، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، فأدخلوا على الأشهر الحرم تعديلًا يتيح لهم تقصير هذه المدة، والاعتداء على حرمة شهر المحرم بالذات، وهو نظام النَّسِيء (مِن نسأه: إذا أخَّر أجَلَه)؛ وذلك بأن يراعوا حرمة شهرين متتابعين، وهما ذو القعدة وذو الحجة، بدلًا من ثلاثة، ويُحلُّوا القتال في شهر المحرم، على أن ينسؤوا حُرمتَه؛ (أي: يُؤخِّروها) وينقلوها إلى شهر آخر كصفر مثلًا، فإذا جاء صفر واحتاجوا فيه للقتال أحلُّوه وحرموا ربيعًا الأول، وهكذا، فأصبح المعتَبَر في التحريم عندهم مجرد العدد، لا خصوصية الأشهر الحرم، وكانوا أحيانًا يحلُّون شهرًا آخرَ من الأشهر الحرم غير شهر المحرم، ويُؤخِّرون حرمتَه وينقلونها إلى شهر آخر من غير الأشهر الحرم.

وكانوا أحيانًا يزيدون في عدد شهور السنة فيجعلونها ثلاثة عشر أو أربعة عشر، ويجعلون أربعة منها حرمًا، ليتَّسِع لهم الوقت للقتال، ومن أجل ذلك اضطربت مواقيتُ حجِّهم، فكان يجيء حجُّهم أحيانًا في غير ذي الحجة، ويُروَى أن أبا بكر قد حج بالناس في السنة التاسعة من الهجرة في شهر ذي القعدة؛ لأن اضطراب المواقيتِ عند أهل مكة قد تقدَّم بالحج في هذا العام عن موعده.

وقد أقر الإسلامُ نظام الأشهر الحرم في وضعه الأصيل، وقضى على كلِّ ما حدث في هذا الوضع من تلاعبٍ، فقرَّر أن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا، لا يصح نقصُها ولا زيادتها، وأنه لا يجوز أن يُستبدَل بشهر المحرم شهرٌ آخر، فيجعل المحرم من الشهر الحلال وتنتقل حرمته إلى هذا الشهر الآخر، وأنه لا يجوز أن يفعل ذلك في أي شهر آخر من الشهر الحرم، وأن النسيء ضلالٌ وكفرٌ وتغيير لكلمات الله، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾ [التوبة: 36]، ويقول: ﴿ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [التوبة: 37].

ويقول الرسول - عليه الصلاة والسلام - في خطبته في حجَّة الوداع، وهي الخطبة التي لخَّص فيها كثيرًا من أحكام الشريعة الإسلامية وجعلها دستورًا للمسلمين من بعده: «أيها الناس، إن الشيطان قد يئِس أن يُعبَد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يُطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم؛ (أي من الأمور التي تعدُّونها صغيرة).

أيها الناس، ﴿ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ ، وإن الزمان قد استدار كهيئتِه يوم خلَق الله السموات والأرض، (وذلك أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - قد أعاد حينئذٍ الشهور إلى أوضاعها الصحيحةِ، فكانت حجة الوداع في مواقيتها في شهر ذي الحجة)، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات، وواحد فرد: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب الذي بين جمادي وشعبان، ألا هل بلغت؟! اللهم فاشهد». صحيح البخاري (5550)، صحيح مسلم (1679).