حتى تكون أسعد الناس.
قال الله تعالى: ﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) ﴾ [طه: 123-124] ذكر الله سبحانه في هذه الآيات حال من اتبع هداه وما له من طيب الحياة في معاشه ومعاده، فقال: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى}، فتكفل الله لمن حفظ عهده علمًا وعملاً أن يحييه حياة طيبة، ويجزيه أجره في الآخرة، فقال سبحانه: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97].
ثم بين سبحانه حال الفريق الآخر فقال: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} [طه: 124] « أي خالف أمري وما أنزلته على رسولي أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه فإن له معيشة ضنكا أي ضنكا في الدنيا، فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد فهذا من ضنك المعيشة.[تفسير ابن كثير (5/ 283)]
وقوله: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124]؛ اختلف المفسرون في ذلك: هل هو من عمى البصيرة أو من عمى البصر؟
وقد فصل ذلك العلامة ابن القيم، وخلص إلى أن الحشر ينقسم إلى قسمين:
«الحشر الأول من القبور إلى الموقف، والحشر الثاني من الموقف إلى النار، فعند الحشر الأول: يسمعون ويبصرون، ويجادلون، ويتكلمون وعند الحشر الثاني: يحشرون على وجوههم عميا وبكما وصما. فلكل موقف حال يليق به، ويقتضيه عدل الرب تعالى، وحكمته.[التفسير القيم (ص380)]
ثم أخبر سبحانه عن حال هذا المعرض يوم القيامة، وأنه يغشاه الذل والهوان فيتألم ويضجر من هذه الحال فيقول: رب لم حشرتني أعمى فيُجاب: {كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسَى} [طه: 126]، أي: أن هذا هو عين عملك والجزاء من جنس العمل، وكما تدين تُدان، فكما عميت عن ذكر ربك ونسيته ونسيت حظك منه، أعمى الله بصرك في الآخرة وتركك في العذاب.
ومن فوائد الآيات الكريمات:
بيان حال من أعرض عن ذكر الله في الدنيا، وأنه يعيش في ضلال وظلام، ويتخبط في الجهالة، وهو مع هذه الحالة يحسب أنه من المهتدين. وبسبب إعراضه عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله عاقبه بأن قيض له شيطانًا يصاحبه فيصده عن الحق، ويزين له طرق الضلال.
قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف: 36 - 37]، حتى إذا وافى ربه يوم القيامة مع قرينه وعاين هلاكه ندم فقال: {يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ} [الزخرف: 38].
ومنها أن من تمسك بهذا الذكر، وهو القرآن فإنه يسعد في الدنيا والآخرة، وتحصل له الطمأنينة، وانشراح الصدر والشفاء من أمراض الأبدان والقلوب، والهداية إلى صراط الله المستقيم.
وقال تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت: 44].
وصلِ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. انشر تؤجر وشاركنا تعليقاتك.








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy