حمل المصلي الآن
مدونة المصلي >> تاريخنا

محرر المسجد الأقصى

محرر المسجد الأقصى
2024‏/07‏/31
30٬798

هذه مقتطفات من سيرة علم من أعلام هذه الأمة، وبطل من أبطالها وفارس من فرسانها، ولد رحمه الله سنة (532 ه)، في تكريت.
إنه السلطان الكبير، الملك الناصر، صلاح الدين، أبو المظفر يوسف ابن الأمير نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب الدويني، ثم التكريتي المولد. 
كان خليقًا للإمارة، مهيبًا، شجاعًا، حازمًا، مجاهدًا، كثير الغزو، عالي الهمة، كانت دولته نيفًا وعشرين سنة.
قال الذهبي: وفي سنة ثمان عدى الفرات، وأخذ حران، وسروج، والرقة، والرها، وسنجار، والبيرة، وآمد، ونصيبين...وفي سنة ثلاث وثمانين فتح طبرية، ونازل عسقلان، ثم كانت وقعة حطين بينه وبين الفرنج، وكانوا أربعين ألفًا، فحال بينهم وبين الماء على تل، وسلموا نفوسهم، وأسرت ملوكهم، وبادر، فأخذ عكا وبيروت وكوكب، وسار فحاصر القدس، وجد في ذلك فأخذها بالأمان وسار عسكر لابن أخيه تقي الدين عمر فأخذوا أوائل المغرب، وخطبوا بها لبني العباس.
ثم إن الفرنج قامت قيامتهم على بيت المقدس، وأقبلوا كقطيع الليل المظلم برًا وبحرًا وأحاطوا بعكا ليستردوها وطال حصارهم لها، وبنوا على نفوسهم خندقًا، فأحاط بهم السلطان، ودام الحصار لهم وعليهم نيفًا وعشرين شهرًا، وجرى في غضون ذلك ملاحم وحروب تشيب لها النواصي، وما فكوا حتى أخذوها، وجرت لهم وللسلطان حروب وسير.
وعندما ضرس الفريقان، وكل الحزبان، تهادن الملتان.
وكانت له همة في إقامة الجهاد، وإبادة الأضداد ما سمع بمثلها لأحد في دهر.
وكان رحمه الله سخيًا، كريمًا، حبيبًا، ضحوك الوجه، كثير البشر، لا يتضجر من خير يفعله، شديد المصابرة والمثابرة على الخيرات والطاعات.
«قال الموفق عبد اللطيف: أتيت، وصلاح الدين بالقدس، فرأيت ملكًا يملأ العيون روعة، والقلوب محبة، قريبًا بعيدًا، سهلًا، محببًا، وأصحابه يتشبهون به، يتسابقون إلى المعروف، كما قال تعالى: {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا} [الحجر: 47] وأول ليلة حضرته وجدت مجلسه حفلًا بأهل العلم يتذاكرون، وهو يحسن الاستماع والمشاركة، ويأخذ في كيفية بناء الأسوار، وحفر الخنادق، ويأتي بكل معنى بديع، وكان مهتمًا في بناء سور بيت المقدس وحفر خندقه، ويتولى ذلك بنفسه، وينقل الحجارة على عاتقه، ويتأسى به الخلق». 
كان همه الأكيد ومقصوده الأعظم نصر الإسلام وكسر الأعداء اللئام، ...ومع هذه الفضائل والآداب، فقد كان مواظبًا على الصلوات في أوقاتها جماعة، يقال إنه لم تفته الجماعة في صلاة قبل وفاته بدهر طويل حتى ولا في مرض موته، بل كان يدخل الإمام فيصلي به، فكان يتجشم القيام مع ضعفه، وكان رقيق القلب سريع الدمعة، وكان يحب سماع القرآن العظيم ويواظب على سماع الحديث حتى إنه سمع في بعض المصافات جزءًا وهو بين الصفين للقتال وكان يقول: هذا موقف لم يسمع أحد في مثله حديثًا.
قال ابن كثير: ‌‌ثم دخلت سنة تسع وثمانين وخمسمئة، فيها: كانت وفاة السلطان الملك الناصر صلاح الدين رحمه الله تعالى: «وتفاقم به الحال ليلة الأربعاء السابع والعشرين من صفر، واستدعى الشيخ أبا جعفر إِمام الكلاسة ليبيت عنده يقرأ القرآن ويلقِّنه الشهادة إِذا جد به الأمر، فذكر أنه كان يقرأ عنده وهو في [غمرات الموت فقرأ: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} [الحشر: 22] فقال: وهو كذلك صحيح، «فلما أذَّن الصبح جاء القاضي الفاضل فدخل عليه وهو في آخر رمقه، فلما قرأ القارئ: {حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} [التوبة: 129] تبسم وتهلل وجهه [وأسلم روحه إِلى ربه سبحانه]، ومات رحمه الله، وأكرم مثواه، وجعل جنات الفردوس مأواه، وكان له من العمر سبع وخمسون سنة لأنه ولد بتكريت في شهور سنة ثنتين وثلاثين وخمسمئة، رحمه الله. فقد كان رِدءًا للإسلام، وحرزًا وكهفًا من كيد الكفرة اللئام، وذلك بتوفيق الله له، وكان أهل دمشق لم يصابوا بمثل مصابه، وودَّ كل منهم لو فداه بأولاده وأحبابه وأصحابه، وقد غلقت الأسواق، ثم أخذوا في تجهيزه وغسله، وحضر جميع أولاده وأهله، ويعزُّ عليهم أن يأتوا بمثله.
وكان الذي تولى غسله خطيب البلد الفقيه الدُّولعي، وكان الذي أحضر الكَفَنَ ومؤنة التجهيز القاضي الفاضل من صلب ماله الحلال، هذا وأولاده الكبار والصغار يتباكَون وينادون، وأخذ الناس في العويل والانتحاب والدعاء له والابتهال.
ثم أبرز جسمه في نعشه في تابوت بعد صلاة الظهر، وأمّ الناس عليه القاضي ابن الزكي ثم دفن في داره بالقلعة المنصورة». 
قال الذهبي: «حم صلاح الدين (أي أصابته الحمي)، فعالجه من لا خبرة له، فخارت القوة، ومات، فوجد الناس عليه شبيهًا بما يجدونه على الأنبياء، وما رأيت ملكًا حزن الناس لموته سواه، لأنه كان محببًا، يحبه البر والفاجر، والمسلم والكافر». 
وله من الأولاد سبعة عشر ذكرًا وابنة واحدة، وتوفي له في حياته غيرهم، والذين تأخَّروا بعده ستة عشر ذكرًا». وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ينظر:
1. سير أعلام النبلاء (21/ 279: ٢٨٦ط الرسالة)]
2. البداية والنهاية 14/ ٤١٢: 416)
 

بحث

الأكثر تداولاً

مقالات متعلقة

2022‏/02‏/22
37٬974

صدق اللجوء إلى الله يصنع المعجزات!

أربعة من الصالحين ضاق بهم الحال، فلجأوا إلى ربهم، فكان كرم الله لهم عجيبًا! انقر هنا وتعرف على قصتهم

2024‏/07‏/30
29٬385

الصحابي الذي فكر في فتح الأندلس قبل موسى بن نصير وطارق بن زياد

فكرة فتح الأندلس كانت مطروحة منذ عهد الإسلام الأول وليست وليدة اللحظة في زمن موسى بن نصير، وكان أول من فكر فيها صحابي جليل! انقر هنا وتعرف عليه

2024‏/07‏/30
48٬985

مسلم صيني يكتشف أمريكا قبل كولومبوس!

هو المسلم الذي أصبح أكبر أميرال في الصين، ومكتشف القارة الأمريكية قبل كولومبوس! اضغط هنا وتعرف على هذا المستكشف العظيم.

مع تطبيق المصلي تعرف على المساجد القريبة أينما كنت بمنتهى الدقة

حمل المصلي الآن

مدار للبرمجة © 2025 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة

Powered by Madar Software