عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ». سنن ابن ماجه (3815).
وليس هذا لذنب؛ وإنما لعلمه بالله، وعظيم حقه وشدة تعظيمه لربه؛ فيخاف المؤاخذة، فيطلب المغفرة.
وهذا واجب العبد المؤمن الذي يشعر أبدًا بتقصيره مهما جهد ويشعر أن الاستغفار ذكر وشكر.
قال الإمام الرازي ما ملخصه: واعلم أن مجامع الطاعات محصورة في قسمين: التوبة عما لا ينبغي، والاشتغال بما ينبغي، والأول مقدم على الثاني بحسب الرتبة الذاتية.
ولما كان طلب الصفح عن المؤاخذة بالذنب لا يصدر إلا عن ندامة، ونية إقلاع عن الذنب، وعدم العودة إليه، كان الاستغفار في لسان الشارع بمعنى التوبة، إذ كيف يطلب العفو عن الذنب من هو مستمر عليه، أو عازم على معاودته، ولو طلب ذلك في تلك الحالة لكان أكثر إساءة من الذنب، فلذلك عد الاستغفار هنا رتبة من مراتب التقوى.
وعن عبد الله بن بسر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا». سنن ابن ماجه (3818).
وعن ابن عمر قال: إن كنا لنعد لرسول الله ﷺ في المجلس يقول: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ»، مائة مرة. سنن ابن ماجه (3814).
فَفِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ حَثٌّ عَلَى التَّوْبَةِ، وَفِيهَا بَيَانٌ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَابَ قُبِلَتِ التَّوْبَةُ مِنْهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى دَعَا الْمَؤْمِنِينَ إِلَى التَّوْبَةِ فَقَالَ: {وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31] يَعْنِي لِكَيْ تَنْجُوا مِنْ عَذَابِهِ وَتَنَالُوا مِنْ رَحْمَتِهِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ التَّوْبَةَ مِفْتَاحُ كُلِّ خَيْرٍ، وَأَنَّ فَلَاحَ الْمُؤْمِنِ فِي تَوْبَتِهِ.
وَأَمَرَ الْمُؤْمِنَ بِالتَّوْبَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [التحريم: 8]، ثُمَّ بَيَّنَ مَا لَهُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ فِي التَّوْبَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [التحريم: 8]، يَعْنِي يَتَجَاوَزُ عَنْكُمْ ذُنُوبَكُمْ.
وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ غَفَّارٌ لِذُنُوبِ التَّوَّابِينَ، فَقَالَ عَزَّ ذِكْرُهُ: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا} [آل عمران: 135]، يَعْنِي لَمْ يَثْبُتُوا عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا مَعْصِيَة.
قال الطيبي: الاستغفار يرفع الذنوب.
فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَغْفِرُ وَيَتُوبُ وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَا تَأَخَّرَ، فَالَّذِي لَمْ يَظْهَرْ حَالُهُ أَنَّهُ أَغُفِرَ لَهُ أَمْ لَا، كَيْفَ لَا يَتُوبُ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي كُلِّ وَقْتٍ وَكَيْفَ لَا يَجْعَلُ لِسَانَهُ أَبَدًا مَشْغُولًا بِالِاسْتِغْفَارِ.
وبالجملة، فدواء الذنوب الاستغفار، قال قتادة: إنَّ هذا القرآن يدلُّكم على دائكم ودوائكم، فأما داؤكم: فالذُّنوب، وأما دواؤكم: فالاستغفار.
إن هذا الدين ليدرك ضعف هذا المخلوق البشري... يدرك ضعفه هذا فلا يقسو عليه، ولا يبادر إلى طرده من رحمة الله حين يظلم نفسه، حين يرتكب الفاحشة -المعصية الكبيرة- وحسبه أن شعلة الإيمان ما تزال في روحه لم تنطفئ، وأن نداوة الإيمان ما تزال في قلبه لم تجف، وأن صلته بالله ما تزال حية لم تذبل، وأنه يعرف أنه عبد يخطئ وأن له ربًا يغفر.. وإذن فما يزال هذا المخلوق الضعيف الخاطئ المذنب بخير..
فليعثر ما شاء له ضعفه أن يعثر، فهو واصل في النهاية ما دام يذكر الله ولا ينساه، ويستغفره ويقر بالعبودية له ولا يتبجح بمعصيته.
ولذا يقول الزمخشري في قوله تعالى: {ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّه} وصف لذاته بسعة الرحمة وقرب المغفرة، وإن التائب من الذنب عنده كمن لَا ذنب له، وإنه لَا مفزع للمذنبين إلا فضله، وفيه تطييب لنفوس العباد وتنشيط للتوبة وبعث عليها، وردع عن اليأس والقنوط، وإن الذنوب وإن جلت فإن عفوه أجل وكرمه أعظم.
قال القرطبي: قال علماؤنا: الاستغفار المطلوب هو الذي يحل عقد الإصرار ويثبت معناه في الجنان، لا التلفظ باللسان، فأما من قال بلسانه: أستغفر الله، وقلبه مصر على معصيته فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار، وصغيرته لاحقة بالكبائر.
فردد دائمًا:
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ
شارك الفائدة ودُلّ أحبابك وأصدقائك على أسرار الاستغفار وعظيم فوائده.
المراجع:
تفسير القرطبي (4/ 210).
جامع العلوم والحكم (2/ 415).
تنبيه الغافلين للسمرقندي (113).
التحرير والتنوير للرازي (4/ 92).








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy