فوائد المصلي


تعرف معنا على المرأة التي قدمت رضا المولى عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم على أبيها وزوجها!

benefitsImg
12 1261 3/29/2018 6:10:38 PM

ابنة سيد مكة المطاع، وزعيمها الذي تدين له بالولاء، تؤمن بالله ربًا بالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا، آمنت هي وزوجها. وقد حاول أبوها بكل ما أوتي من سطوة وبأس، أن يرد ابنته وزوجها إلى دينه ودين آبائه، فلم يفلح، لأن الإيمان الذي رسخ في قلبها كان أعمق من أن تقتلعه أعاصير أبيها، وأثبت من أن يزعزعه غضبه. إنها رملة بنت أبي سفيان بن حرم المكناة بأم حبيبة.

ركب أبا سفيان الهم بسبب إسلام رملة، فما كان يعرف بأي وجه يقابل قريشًا بعد أن عجز عن إخضاع ابنته لمشيئته، والحيلولة دونها ودون اتباع محمد صلى الله عليه وسلم. ولما وجدت قريش أن أبا سفيان ساخط على رملة وزوجها اجترأت عليهما، وطفقت تضيق عليهما الخناق، وجعلت ترهقهما أشد الإرهاق، حتى باتا لا يطيقان الحياة في مكة. ولما أذن الرسول صلوات الله وسلامه عليه للمسلمين بالهجرة إلى «الحبشة»، كانت رملة بنت أبي سفيان وطفلتها الصغيرة حبيبة، وزوجها عبيد الله بن جحش، في طليعة المهاجرين إلى الله بدينهم، الفارين إلى حمى «النجاشي» بإيمانهم.

لكن أبا سفيان بن حرب ومن معه من زعماء قريش، عز عليهم أن يفلت من أيديهم أولئك النفر من المسلمين، وأن يذوقوا طعم الراحة في بلاد «الحبشة». وحسبت أم حبيبة بعد ذلك أن الأيام صفت لها بعد طول عبوس... وأن رحلتها الشاقة في طريق الآلام قد أفضت بها إلى واحة الأمان. إذ لم تكن تعلم ما خبأته لها المقادير ... ففي ذات ليلة أوت أم حبيبة إلى مضجعها، فرأت فيما يراه النائم أن زوجها عبيد الله بن جحش يتخبط في بحر لجي غشيته ظلمات بعضها فوق بعض، وهو بأسوأ حال. فهبت من نومها مذعورة مضطربة . ولم تشأ أن تذكر له أو لأحد غيره شيئًا مما رأت. لكن رؤياها ما لبثت أن تحققت، إذ لم ينقض يوم تلك الليلة المشؤومة حتى كان عبيد الله بن جحش، قد ارتد عن دينه وتنصر. وجدت أم حبيبة نفسها فجأة بين ثلاث: فإما أن تستجيب لزوجها الذي جعل يلح في دعوتها إلى التنصر؛ وبذلك ترتد عن دينها- والعياذ بالله- وتبوء بخزي الدنيا وعذاب الآخرة. وإما أن تعود إلى بيت أبيها في مكة، وهو ما زال قلعة للشرك، فتعيش فيه مقهورة مغلوبة على دينها. وإما أن تبقى في بلاد «الحبشة» وحيدة، شريدة، لا أهل لها ولا وطن ولا معين. فآثرت ما فيه رضا الله عز وجل على ما سواه. وأصرت على البقاء في «الحبشة» حتى يأتي الله بفرج من عنده. ولم يطل انتظار أم حبيبة كثيرًا. فما إن انقضت عدتها من زوجها الذي لم يعش بعد تنصره إلا قليلًا حتى أتاها الفرج. لقد جاءها السعد يرفرف بأجنحته الزمردية الخضر فوق بيتها المخزون على غير ميعاد. ففي ذات ضحى طلق المحيا طرق عليها الباب؛ فلما فتحته فوجئت «بأبرهة» وصيفة النجاشي ملك «الحبشة». فحيتها بأدب وبشر، واستأذنت بالدخول عليها وقالت: إن الملك يحييك ويقول لك: إن محمدًا رسول الله قد خطبك لنفسه، وإنه بعث إليه كتابًا وكله فيه بأن يعقد له عليك، فوكلي عنك من تشائين. طارت أم حبيبة فرحًا، وهتفت: بشرك الله بالخير، بشرك الله بالخير. وطفقت تخلع ما عليها من الحلي؛ فنزعت سواريها، وأعطتهما لأبرهة. ثم ألحقتهما بخلخالها، ثم أتبعت ذلك بقرطيها وخواتيمها. ولو كانت تملك كنوز الدنيا كلها لأعطتها لها في تلك اللحظة. ثم قالت لها: لقد وكلت عني خالد بن سعيد بن العاص، فهو أقرب الناس إلي. وفي قصر النجاشي اجتمع وجوه الصحابة المقيمين في «الحبشة»، وعلى رأسهم جعفر بن أبي طالب، وخالد بن سعيد بن العاص، وعبد الله بن حذافة السهمي، وغيرهم لشهدوا عقد أم حبيبة بنت أبي سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما اجتمع الجمع، تصدر النجاشي المجلس وخطبهم فقال: أحمد الله القدوس المؤمن العزيز الجبار، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنه هو الذي بشر به عيسي بن مريم. أما بعد: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب مني أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فأجبته إلى ما طلب، وأمهرتها نيابة عنه أربعمائة دينار ذهبًا، على سنة الله ورسوله. ثم سكب الدنانير بين يدي خالد بن سعيد بن العاص. وهنا قام خالد فقال: الحمد لله أحمده واستعين به، واستغفره، وأتوب إليه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بدين الهدى والحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون. أما بعد: فقد أجبت طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوجته موكلتي أم حبيبة بنت أبي سفيان، فبارك الله لرسوله بزوجته. وهنيئًا لأم حبيبة بما كتب الله لها من الخير. ثم حمل المال وهم أن يمضي به إليها؛ فقام أصحابه لقيامه وهموا بالانصراف أيضًا فقال لهم النجاشي: اجلسوا فإن سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يطعموا طعامًا. ودعا لهم بطعام فأكل القوم ثم انفضوا. قالت أمُّ حبيبة: فلمَّا وصل المال إليَّ أرسلت إلى «أبرهة» التي بشَّرتني خمسين مثقالاً من الذَّهب؛ وقلت: إنِّي كنت أعطيتك ما أعطيت حين بشَّرتني، ولم يكن عندي يومئذٍ مالٌ ... فما هو إلاَّ قليلٌ حتَّى جاءت «أبرهة» إليَّ وردَّت الذَّهب، وأخرجت حُقّاً فيه الحليُّ الذي كنت أعطيتها إيَّاه فردَّته إليَّ أيضًا وقالت: إنَّ الملك قد عزم عليَّ ألاَّ آخذ منك شيئًا. وقد أمر نساءه أن يبعثن لك بكلِّ ما عندهن من الطِّيب. فلمَّا كان الغد جاءتني بورسٍ، وعودٍ وعنبرٍ، ثمَّ قالت لي: إنَّ لي عندك حاجةً، فقلت: وما هي؟!. فقالت: لقد أسلمت، واتَّبعت دين محمَّدٍ، فاقرئي على النَّبيِّ منِّي السَّلام وأعلميه أنِّي آمنت بالله ورسوله ولا تنسي ذلك ... ثمَّ جهَّزتني. ثمَّ إنِّي حملت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... فلمَّا لقيته، أخبرته بما كان من أمر الخطبة، وما فعلته مع «أبرهة» وأقرأته منها السَّلام. فسرَّ بخبرها وقال: (وعليها السَّلام ورحمة الله وبركاته).

المصادر:

1 - الإصابة: 4/ 305.

2 - الاستيعاب: «على هامش الإصابة»: 4/ 303.

3 - أسد الغابة: 5/ 457.

4 - صفوة الصفوة: 2/ 22.

5 - المعارف لابن قتيبة: 3440،136.

6 - سير أعلام النبلاء.

7 - مرآة الجنان لليافعي.

8 - السيرة النبوية لابن هشام.

9 - تاريخ الطبري.

10 - طبقات ابن سعد.

11 - تهذيب التهذيب لابن حجر:12/ 419.

12 - حياة الصحابة.

13 - أعلام النساء لكحالة: 1/ 464.