فوائد المصلي


«ما التفت يوم أحد يمينًا ولا شمالًا إلا ورأيتها تقاتل دوني»!

benefitsImg
15 531 10/8/2017 3:33:23 PM

«أنتم على موعد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند العقبة في آخر الثلث الأول من الليل».
أسر مصعب بن عمير بهذه الكلمة إلى واحد من مسلمي «يثرب»، فسرى الخبر بينهم سريان النسيم في سرعة، وخفة، وهدوء.
وأحيط به المسلمون الذين تسللوا من المدينة، واندسوا بين جموع حجاج المشركين الوافدين على مكة من كل صوب.
وأقبل الليل فاستسلم حجاج المشركين إلى النوم، وجعلوا يغطون في نوم عميق بعد يوم طويل قضوه في التطواف حول الأوثان، والذبح للأصنام.
لكن أصحاب مصعب بن عمير من مسلمي «يثرب» لم يغمض لهم جفن، وكيف لجفونهم أن تغمض؟!، وقلوبهم تخفق بين فرحة باللقاء الذي قطعوا من أجله الفيافي والقفار، وأفئدتهم تكاد تطير من بين ضلوعهم شوقًا لرؤية نبيهم الحبيب صلوات الله وسلامه عليه.
فقد آمن به أكثرهم قبل أن يسعدوا بلقياه، وتعلقوا به قبل أن تكتحل أعينهم بمرآه.
وفي آخر ثلث الليل الأول من أوسط أيام التشريق، وعند «العقبة» في «منى» تم اللقاء الكبير في مكان بعيد عن أعين قريش، فلما تقدم اثنان وسبعون رجلًا من النبي صلوات الله وسلامه عليه، ووضعوا أيديهم في يديه واحدًا بعد آخر مبايعين على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأولادهم، ولما انتهى الرجال من البيعة تقدمت امرأتان فبايعتا على ما بايع عليه الرجال، ولكن من غير مصافحة؛ ذلك لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يصافح النساء.
وقد كانت إحدى هاتين المرأتين تعرف بأم منيع، وهي أسماء بنت عمرو بن عدي بن ياسر الأنصارية السلمية، أم الصحابي معاذ بن جبل.
أما الأخرى فهي نسيبة بنت كعب المازنية المكناة بأم عمارة.
عادت أم عمارة إلى «يثرب» فرحة بما أكرمها الله به من لقاء الرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم، عاقدة العزم على الوفاء بشروط البيعة.
ثم مضت الأيام سراعًا، حتى كان يوم «أُحد»، وكان لأم عمارة فيه شأن وأي شأن؟!.
خرجت أم عمارة إلى «أحد» تحمل سقاءها لتروي ظمأ المجاهدين في سبيل الله.
ومعها لفائفها لتضمد جراحهم. ثم كان ما كان يوم «أحد»، فلقد رأت أم عمارة بعينيها كيف تحول نصر المسلمين إلى هزيمة كبرى، وكيف أخذ القتل يشتد في صفوف المسلمين فيتساقطون على أرض المعركة شهيدًا إثر شهيد، وكيف زلزلت الأقدام، فتفرق الرجال عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى لم يبق معه إلا عشرة أو نحو من عشرة، مما جعل صارخ الكفار ينادي: لقد قتل محمد ... لقد قتل محمد ...
عند ذلك ألقت أم عمارة سقاءها، وانبرت إلى المعركة كالنمرة التي قصد أشبالها بشر ، ولنترك لأم عمارة نفسها الحديث عن هذه اللحظات الحاسمات، فليس كمثلها من يستطيع تصويرها بدقة وصدق.
قالت أم عمارة: خرجت أول النهار إلى «أحد» ومعي سقاء أسقي منه المجاهدين حتى انتهيت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والدولة والريح (أي الغلبة والنصرة والقوة) له ولمن معه، ثم ما لبث أن انكشف المسلمون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما بقي إلا في نفر قليل ما يزيدون على العشرة، فملت إليه أنا وابني وزوجي، وأحطنا به إحاطة السوار بالمعصم، وجعلنا نذود عنه بسائر ما نملكه من قوة وسلاح.
وما زلت أضارب عن النبي بالسيف، وأرمي دونه بالقوس حتى أعجزتني الجراح.
وفيما نحن كذلك أقبل «ابن قمئة» كالجمل الهائج وهو يصيح: أين محمد؟ دلوني على محمد.
فاعترضت سبيله أنا ومصعب بن عمير، فصرع مصعبًا بسيفه وأرداه قتيلًا، ثم ضربني ضربة خلفت في عاتقي جرحًا غائرًا، فضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كانت عليه درعان.
ثم أتبعت نسيبة المازنية تقول:
وفيما كان ابني يناضل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضربه أحد المشركين ضربة كادت تقطع عضده، وجعل الدم يتفجر من جرحه الغائر، فأقبلت عليه، وضمدت جرحه، وقلت له: انهض يا بني وجالد القوم، فالتفت إلي الرسول صلوات الله وسلامه عليه وقال: «ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة»؟!.
وحانت منه صلى الله عليه وسلم التفاتة فرأى جرح أم عمارة على عاتقها يتصبب منه الدم فقال لابنها عبد الله: «أمك، أمك، اعصب جرحها. بارك الله عليكم أهل بيت، لمقام أمك خير من مقام فلان وفلان ...، رحمكم الله أهل بيت). فالتفتت إليه أم عمارة وقالت: ادع الله لنا أن نرافقك في الجنة يا رسول الله. فقال: «اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة». فقالت أم عمارة: ما أبالي بعد ذلك ما أصابني في الدنيا.
ثم عادت أم عمارة من «أحد» بجرحها الغائر وهذه الدعوة التي دعا لها بها الرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم -.
وعاد النبي عليه الصلاة والسلام من «أحد» وهو يقول:
«ما التفت يوم أحد يمينًا ولا شمالًا إلا ورأيت أم عمارة تقاتل دوني».
تمرست أم عمارة يوم «أحد» على القتال؛ فأتقنته، وذاقت حلاوة الجهاد في سبيل الله؛ فما عادت تطيق عنه صبرًا. وقد كتب لها أن تشهد مع الرسول صلوات الله وسلامه عليه، أكثر المشاهد، فحضرت معه الحديبية، وخيبر وعمرة القضاء، وحنينًا وبيعة الرضوان، ولكن ذلك كله لا يعد شيئًا إذا قيس بما كان منها يوم «اليمامة» على عهد الصديق رضي الله عنها وعنه. وهذا يكون له بإذن الله فائدة قادمة...