فوائد المصلي


غزوة مؤتة

benefitsImg
0 2 11/24/2022 12:00:23 PM

هذه الغزوة من أكبر وأشد المعارك القتالية التي خاضها المسلمون في الفترة النبوية، وفاتحة اللقاءات والصدامات الدموية والمثخنة التي ستدور رحاها بين المسلمين والروم النصارى والتي ستستمر في الدوران حتى وقتنا الحاضر في حلبة الصراع الخالد بين الحق والباطل، والإيمان والكفر.

تبدأ أحداث هذه الغزوة الهائلة عندما أرسل الرسول ﷺ كعب بن عمير على رأس سرية مكونة من أربعة عشر رجلاً على جنوب الشام في أوائل سنة 8هـ لنشر الإسلام هناك، وكانت هذا البلاد يحكمها الغساسنة نيابة عن الروم، فاعتدى الغساسنة على السرية وقتلوا من فيها جميعًا باستثناء واحد منهم، ثم تلى ذلك أن قام شرحبيل بن عمرو الغساني أحد أمراء الملك الغساني الحارث بن أبي شمر الغساني بالقبض على الصحابي الحارث بن عمير رسول الرسول ﷺ إلى ملك بصرى، ثم قتله صبرًا، ثم قام الحارث الغساني بتهديد المسلمين بغزو الجزيرة العربية كلها مستقويًا بخدمته وعمالته لهرقل قيصر الروم، ومن أجل هذه الاعتداءات والتهديدات الغسانية قرر النبي ﷺ أن يؤدب هؤلاء المتغطرسين وأسيادهم ويطلعهم على قيمة الدم المسلم وحقيقة وقوة جند الإسلام.

أرسل النبي ﷺ جيشًا يقدر بثلاثة آلاف مقاتل، ولأول مرة في تاريخ السرايا النبوية يحدد النبي أمير السرية ومن يخلفه، في إشارة لطيفة بأن كل من سماهم سينالون الشهادة، وقد قال لهم النبي ﷺ: «زيد بن حارثة أمير الناس، فإن قتل زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة، فإن قتل عبد الله بن رواحة، فليرتض المسلمون بينهم رجلاً فليجعلوه عليهم» وانطلقت هذه السرية والتي عرفت بسرية الأمراء في أول جمعة من شهر جمادى الأولى سنة 8هـ.

وصلت أخبار هذا الجيش الإسلامي إلى شرحبيل بن عمرو الغساني قاتل الصحابي الحارث بن عمير، فأخبر أسياده الروم وأخذ في استنفار القبائل العربية المتنصرة مثل لخم وجذام وبهراء وبلى وسائر بطون قضاعة، ثم أرسل أخاه (سدوس) على رأس سرية صغيرة مؤلفة من خمسين رجلاً لاستطلاع تحركات المسلمين، ولكن هذه السرية وقعت بأيدي المسلمين عند وادي القرى وقتلوا جميعًا، فارتاع شرحبيل بشدة وطلب النجدة من هرقل نفسه، وكان وقتها معتكفًا في بيت المقدس، فأيقن خطورة الأمر، إذ لم يعتد من قبل على أن يطلب منه الغساسنة مددًا على أحد من العرب، فأرسل هرقل جيشًا روميًا جرارًا تحت قيادة أخيه (تيودور) يقدر بمائة ألف مقاتل، انضم للقبائل العربية المتنصرة التي حشدت هي الأخرى مائة ألف مقاتل تحت قيادة مالك بن رافلة، وبالتالي أصبح جيش الأعداء مائتي ألف مقاتل.

تحرك المسلمون من معان حتى لقيتهم جموع الروم وحلفاؤهم العرب المتنصرة بقرية من قرى البلقاء يقال لها "مشارف"، فانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها (مؤتة)، واستعدوا للقتال الدامي، فلما طلعت جحافل الروم والعرب المتنصرة هال المسلمين ما رأوا من ضخامة عدوهم، وزاغت أبصار بعضهم وكان منهم أبو هريرة الذي قال له ثابت بن أقرم: يا أبا هريرة كأنك ترى جموعًا كثيرة؟ فقال له: نعم! فقال ثابت: إنك لم تشهد بدرًا معنا إنا لم ننصر بالكثرة.

بدأ القتال الطاحن بين الفريقين، والروم المتنصرة يفوقون المسلمين في كل شيء وعلى كل وجه إلا الإيمان بالله واليقين بنصره، ثلاثة آلاف يواجهون مائتي ألف، أي أن كل مسلم مطالب بمواجهة سبعين من العدو، فحمل أمير السرية زيد بن حارثة الراية وانطلق كالأسد الهصور يقاتل بكل ضراوة حتى قتل شهيدًا، فحمل الراية بعده جعفر بن أبي طالب، ومن شدة القتال نزل من على فرسه الشقراء، ثم عقرها وكان أول من عقر فرسه في القتال في الإسلام، إشارة إلى القتال حتى الموت، وحتى لا يستفيد العدو من فرسه، وظل يقاتل حتى قطعت يمينه، فحمل اللواء بشماله، ثم قاتل حتى قطعت شماله، فاحتضن اللواء بعضديه حتى جاءته ضربة قوية من أحد الرومان قطعته نصفين، فأبدله الله عز وجل جناحين يطير بهما في الجنة، ثم حمل اللواء من بعده عبد الله بن رواحة الذي تردد للحظة وجيزة ثم أقدم مثل صاحبيه، فنال ما نالوا.

في هذه الأثناء والقتال على أشده، أصبح المسلمون بلا أمير، فأخذ الراية ثابت بن أقرم، فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلحوا على خالد بن الوليد، وعندها حيى الوطيس، وقد رفع الله عز وجل أرض المعركة إلى النبي ﷺ حتى رأى أحداثها وتفاصيلها وأخبر المسلمين في المدينة بالأمر فقال: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب وعيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم» ومن يومها تسمى خالد بن الوليد بسيف الله ورسوله.

وقد اختلف المؤرخون فيما بينهم عما انتهت إليه هذه المعركة الدموية، وبعد الترجيح والنظر في الروايات الكثيرة التي وردت في شأن الغزوة، يترجح أن المسلمين قد انتصروا في مؤتة انتصارًا عظيمًا وهو ما ذهب إليه موسى بن عقبة والواقدي والبيهقي وابن كثير، في حين ذهب ابن إسحاق راوي السيرة الأشهر إلى أن نصر المسلمين الذي تحقق في المعركة إنما هو قدرة خالد بن الوليد على أن ينسحب انسحابًا منظمًا وبأقل خسائر في صفوف المسلمين وتخليص جيش المسلمين الصغير من جيش الأعداء الضخم العرمرم، ونص الحديث الصريح في البخاري يدل على النصر: «حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم» وقد ساق ابن كثير عدة أدلة قوية على انتصار المسلمين في هذه المعركة، كما يجدر بالذكر أن المؤرخين قد أطلقوا على هذه السرية اسم الغزوة رغم أن الرسول ﷺ لم يشهدها، لأنه قد حضرها وحيًا، وعرف كل ما دار فيها قبل ورود الخبر بها.

راجع:
سيرة ابن هشام (3/322)، طبقات ابن سعد (2/128)، تاريخ الطبري (3/23)، دلائل النبوة (4/358)، عيون الأثر (2/198)، البداية والنهاية (4/238)، المغازي (2/756)، سير أعلام النبلاء (2/118)، الكامل في التاريخ (2/112)، الرحيق المختوم ص355