فوائد المصلي


وفاة أحمد بن طولون

benefitsImg
0 53 6/30/2020 7:49:04 PM

أمير الديار المصرية والشامية ومؤسس الدولة الطولونية التي حكمت مصر وليبيا والشام، وباني الجامع المشهور الذي ما زال قائمًا لوقتنا الحاضر شاهدًا على هذه الدولة القوية، وأميرها الكبير أبو العباس أحمد بن طولون، كان أبوه طولون من البشر الذين أهداهم نوح بن أسد الساماني والي بخارى إلى الخليفة المأمون سنة 200هـ، وقد وُلد أحمد سنة 214هـ بمدينة سامرا، فنشأ في صيانة وعفاف وديانة ودراسة للقرآن العظيم، وقد كان طيب الصوت عذب النغمة، من أحسن الناس تلاوة للقرآن، مجافيًا للمنكرات والمحرمات.

ولحسن أخلاقه واستقامته وحسن سيرته تولى أحمد بن طولون ولاية مصر سنة 254هـ أيام خلافة المعتز بن المتوكل، فأحسن إلى أهلها وأنفق فيهم من بيت المال واستمالهم بالنفقات الدارة وبناء المرافق، وقد عثر على ذخائر ضخمة من أيام الجاهلية بنى بها جامعه الشهير، وكان يتصدق شهريًا من خاصة ماله بألف دينار، وبنى مستشفى كبيرًا بستين ألف دينار، وأصلح ميادين مصر بمائة وخمسين ألف دينار، وأثبت كفاءة كبيرة وسياسة حكيمة في قيادة مصر رشحته لأن يكون واليًا على الشام والثغور إضافة لمصر، وذلك سنة 264هـ، وكان أحمد بن طولون محبًا للجهاد مصابرًا عليه وقد عزم على الإقامة في طرسوس على حدود دولة الروم ليجاهدهم ويغزوهم حينًا ولولا خروج ولده «العباس» الذي تركه نائبًا على مصر عليه، لظل مرابطًا على الثغور.

 كان أحمد بن طولون محببًا لرعيته لكثرة إحسانه وصدقاته فيهم، ومشاركته لهم في أمور حياتهم، حتى أنه اشترك بنفسه في إطفاء حريق كبير شب بدمشق وعوَّض المتضررين بمبالغ كبيرة، وكان أحمد بن طولون شديدًا على الخوارج والخصوم، يبادرهم بالهجوم ولا يستعمل معهم الرأفة، لذلك وصفه المؤرخون بالقسوة المفرطة وشبهوه بالحجاج الثقفي، وربما تكون هذه القسوة في بعض الأحيان هي عين صلاح الرعية، وإلا فالرجل به الكثير من الخصال الطيبة الصالحة، والرعية كانت تحبه، وكان أحمد بن طولون على خلاف شديد مع الأمير «الموفق» العباسي أمير الجيوش العباسية وأخي الخليفة «المعتمد على الله» بسبب تسلط الموفق على المعتمد، وقد حاول المعتمد الفرار إلى مصر والإقامة عند أحمد بن طولون ولكنه فشل، فأمر الموفق بعزل أحمد بن طولون من ولاية مصر والشام، ولكنه لم يستطع أن ينفذ هذا القرار لقوة أحمد بن طولون وتمكنه من البلاد وحب الناس له، بحيث إنه أصبح مثل المستقل بحكم ما تحت ولايته، فكل ما أمكن الموفق فعله هو أمر الخطباء في المساجد بالدعاء عليه يوم الجمعة على أنه عاص للخليفة.

ولقد كان أحمد بن طولون مشهورًا بحدة ذكائه وقوة فراسته، حتى كان يضرب به المثل في فراسته وظن الناس من قوة ذلك أن له رئيًا من الجن يأتيه بالأخبار، ولكنه كان نادرة زمانه في القياس والفراسة.

وقد مات في 10 من ذي القعدة سنة 270هـ، وتولى مكانه ابنه خمارويه، وهو بذلك يكون أول من أنشأ دولة وراثية مستقلة تقريبًا على أرض مصر والشام.
راجع: تاريخ الطبري (9/666)، الكامل في التاريخ (6/337)، البداية والنهاية (11/49)، سير أعلام النبلاء (13/94)، وفيات الأعيان (1/173)، النجوم الزاهرة (3/21)، شذرات الذهب (2/157)، العبر (2/44).