فوائد المصلي


معركة شنت ياقب

benefitsImg
0 30 3/26/2020 4:13:12 PM

كان عصر الحاجب المنصور [368هـ ـ 392هـ]، هو العصر الذهبي لدولة الإسلام في الأندلس، فلقد كان المنصور بن أبي عامر مجاهدًا من الطراز الأول، قضى حياته كلها غازيًا ومجاهدًا لإسبانيا النصرانية، وبلغت دولة الإسلام في عهده أوج قوتها، وأقصى اتساعها، حتى إن «المنصور» قد غزا أراضي النصارى في الشمال أكثر من خمسين غزوة، وبلغ من شغف المنصور بالجهاد أنه كان يتولى قيادة الجيوش بنفسه في جميع الغزوات، وأعظم غزوات المنصور كانت هذه الغزوة التي قادها لأقصى بقاع الأندلس.

كانت منطقة «جلَّيقية» في قاصية إسبانيا الغربية، تعتبر لنأيها ووعورتها، أمنع مناطق إسبانيا النصرانية، ولم يفكر أحد من الفاتحين المسلمين منذ أيام «طارق» أن يقصدها، ولكن «المنصور» قرر أن يفتحها، وذلك لسببين: الأول: أنها كانت ملاذًا وملجأً للثائرين والمحاربين النصارى خاصة ملوك ليون، والثاني: أنها كانت مستقرًا لمدينة «شنت ياقب» الدينية، والتي تعتبر كعبة إسبانيا النصرانية، ومزارها المقدس، ويوجد بها كما يزعم نصارى إسبانيا قبر القديس يعقوب، وقد أراد المنصور أن يضرب إسبانيا النصرانية في صميم معقلها القاصي وصميم زعامتها الروحية، بهذه الغزوة.

خرج المنصور على رأس جيش كبير في 23 جمادى الآخرة سنة 387هـ من قرطبة، وفي الوقت نفسه تحرك الأسطول الأندلسي من مرساه في مياه البرتغال الغربية، وانطلق المسلمون برًا وبحرًا كالسيل الجارف لا يقف لهم شيء إلا اكتسحوه، وفتح المنصور عدة مدن في طريقه مثل «تورية» و«يازو» و«عكرية» وهناك جاءه الكثير من الأمراء الإسبان مذعنين بالطاعة، مقرين بالجزية، بل وانضموا إلى جيش المسلمين بقواتهم، وذلك من شدة خوفهم من سطوة المنصور وقوته.

عندما وصلت أنباء الغزو الإسلامي الشامل لسكان المنطقة، فروا إلى الجزائر المقابلة للشاطئ، فعبر إليهم المسلمون وأسروهم، وواصل المسلمون تقدمهم حتى فتحوا المدينة في 2 شعبان 387هـ ـ 11 أغسطس 997م، فقام المسلمون بهدم أسوارها وصروحها وكنيستها الكبرى ولم يتعرضوا للقبر المزعوم للقديس يعقوب، وأخذ المسلمون أبواب المدينة ونواقيس الكنيسة العظمى وحملها الأسرى النصارى على كواهلهم حتى قرطبة، واستخدمت في توسيع الجامع وعلقت به النواقيس رؤوسًا للثريات الكبرى، والجدير بالذكر أن الصليبيين عندما استولوا على قرطبة سنة 646هـ أخذوا هذه النواقيس من جامع قرطبة وحملها الأسرى المسلمون على كواهلهم حتى مدينة سانت ياقب، وهكذا يثبت النصارى في مواقع كثيرة أنهم لا ينسون أبدًا هزائمهم أمام المسلمين وهي راسخة في أذهانهم وذاكرتهم، في حين أن المسلمين قد فقدوا ذاكرتهم منذ زمن بعيد.

راجع: البيان المغرب (2/316)، نفح الطيب (1/193)، تاريخ ابن خلدون (4/181)، دولة الإسلام في الأندلس (2/559ـ 561).