فوائد المصلي


فتح المدينة التي لم يتعرض لها أحد من قبل ظهور الإسلام حتى السادس من رمضان لعام 223هـ!

benefitsImg
0 87 5/22/2018 12:32:36 PM

واجهت الخلافة العباسية في مطلع القرن الثالث الهجري وتحديدًا سنة 203هـ، فتنة عاتية كادت أن تهدد الوجود الإسلامي في الهضبة الإيرانية، وهي فتنة «بابك الخرمي»، وهو رجل فارسي نادى بمذهب الإباحية وعظمت فتنته وكثر أتباعه واستغوى الكثيرين، ثم دخل في حروب طاحنة وشرسة مع الخلافة العباسية من أجل إعادة مملكة الفرس المجوسية، وكبد الخلافة العباسية خسائر ضخمة، إذ هزم كل جيش كان يرسله الخليفة لحربه، واستمرت فتنته قرابة العشرين سنة، بعد أن حشدت الخلافة العباسية كل قواتها للقضاء على هذه الفتنة.

ولما شعر «بابك الخرمي» بقرب نهايته وشدة التضييق عليه، أرسل إلى إمبراطور بيزنطة «توفيل بن ميخائيل» يطلب منه المساعدة عن طريق إغارة البيزنطيين على شمال الدولة الإسلامية بمنطقة الثغور؛ وذلك لتخفيف الضغط عليه، وبالفعل يغير البيزنطيون على مدينة «زبطرة» ويوقعون مذبحة كبرى بأهلها وقد مثلوا بجثث القتلى، فسملوا العيون وقطعوا الأنوف والآذان والفروج، وأخذت النساء الأسرى يصحن: «وا معتصماه».

لما وصلت أخبار هذه المجزرة واستغاثة النساء إلى الخليفة «المعتصم» العباسي، صاح بأعلى صوته «لبيك لبيك» ونادى في المسلمين بالنفير العام، ثم استدعى القضاة والشهود وقسّم تركته وجعل ثلثها للجهاد في سبيل الله، وأقسم أن لن يعود حتى يثأر للمسلمين من أعداء الإسلام، ثم سأل عن أمنع وأحصن بلاد البيزنطيين، فقيل له: عمورية، حيث لم يتعرض لها أحد من قبل ظهور الإسلام حتى وقتهم هذا، إضافة لكونها إحدى المدن المقدسة عند الروم البيزنطيين، فقرر المعتصم فتحها.

قسَّم «المعتصم» جيشه إلى ثلاثة أقسام للهجوم على المدينة من عدة محاور، وقطع الطريق على أي نجدة بيزنطية قادمة إليها، وبالفعل نجح الجيش الثاني الذي يقوده «الأفشين» في إيقاع هزيمة شديدة بالجيش البيزنطي بقيادة «توفيل» نفسه، وأجبر البيزنطيين على الرجوع وترك «عمورية» لمصيرها، واجتمعت الجيوش الثلاثة على عمورية، وضربوا عليها حصارًا شديدًا، وكان أحد المسلمين الذين وقعوا من قبل في الأسر وأجبره البيزنطيون على التنصر قد فر من المدينة والتحق بالمسلمين ودلهم على نقطة ضعف في أسوار المدينة الحصينة، فشدد عليها المسلمون الضرب، كما حاول والي عمورية الصليبي مراسلة ملك الروم «توفيل» والاتفاق معه على قتال المسلمين في وقت معين، ولكن المخابرات الإسلامية كشفت الخطة، وأخذت عزائم الروم في الانهيار حتى أقدم أحد أمراء المدينة المسئولين عن حراستها على فتح أبوابها للمسلمين، وسلمت المدينة للمعتصم في 6 رمضان سنة 223، فأمر المعتصم بإحراقها وتدميرها بالكلية فأصبحت أثرًا بعد عين.

الجدير بالذكر أن هذه المعركة من الناحية العسكرية والإستراتيجية تعد محدودة الأثر والنتيجة مقارنة بالفتوحات العظيمة التي كان يقوم بها المسلمون الأوائل، ولكن من حيث الناحية المعنوية فإنها من المعارك الكبرى، التي انتقم فيها المسلمون لما وقع بإخوانهم، واستجابة لاستغاثة نساء المسلمين.

راجع: تاريخ الطبري (9/57ـ 70)، الكامل في التاريخ (6/40)، البداية والنهاية (10/311)، تاريخ الخلفاء ص292، محاضرات الدولة العباسية ص274، سير أعلام النبلاء (10/297)، أيام الإسلام ص161.