مدونة المصلي >> إيمانيات

دعاء نبوي لعلاج الهم والحزن

دعاء نبوي لعلاج الهم والحزن
2024‏/03‏/24
62٬933

يسعى العقلاء في دفع ‌الهم ‌والغم عن نفوسهم، فهذا بالأكل والشرب، وهذا بالتجارة والكسب، وهذا بالنكاح، وهذا بسماع الغناء والأصوات المطربة، ولكن الطرق كلها غير موصلة إلى ذلك إلا بالإقبال على الله وحده، وإيثار مرضاته على كل شيء.
عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أصاب أحدًا قط همٌّ ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحًا»، قال: فقيل: يا رسول الله، ألا نتعلمها؟ فقال: «بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها» [مسند أحمد (3712)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة].
هذه كلمات عظيمة ينبغي على المسلم أن يتعلمها، وأن يحرص على قولها عندما يصاب بالحزن أو الهم أو الغم، وليعلم كذلك أن هؤلاء الكلمات إنما تكون نافعةً له إذا فهم مدلولها وعمل بما دلت عليه. 
والمكروه الوارد على القلب إن كان من أمر ماض أحدث الحزن، وإن كان من مستقبل أحدث الهم، وإن كان من أمر حاضر أحدث الغم. [الفوائد، لابن القيم، ص38].
«إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك»، وهذا يتناول من فوقه من آبائه وأمهاته إلى أبويه آدم وحواء، وفي ذلك تملق له، واستخذاء بين يديه، واعتراف بأنه مملوكه وآباءه مماليكه، وأن العبد ليس له غير باب سيده وفضله وإحسانه، وأن سيده إن أهمله وتخلى عنه هلك، ولم يُؤْوِهِ أحدٌ، ولم يعطف عليه؛ بل يضيع أعظم ضيعة.
قوله: «إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك» إظهار التذلل والخضوع، والاعتراف بالعبودية. 
ثم قال: «ناصيتي بيدك»: فناصيةُ العبد وهي مُقدَّمَةُ رأسه بيد الله، يتصرَّف فيه كيف يشاء ويَحكم فيه بما يريد، لا مُعَقِّبَ لحُكمه ولا رادَّ لقضائه، فحياةُ العبد وموتُه وسعادتُه وشقاوتُه وعافيتُه وبلاؤه، كلُّ ذلك إليه سبحانه، ليس إلى العبد منه شيء، وإذا آمن العبدُ بأنَّ ناصيتَه ونواصي العباد كلَّها بيد الله وحده يصرفهم كيف شاء، لَم يخف بعد ذلك منهم ولم يَرجُهم ولَم يُنْزلْهم مَنْزِلَة المالكين، ولم يعلِّق أملَه ورجاءَه بهم، وحينئذ يستقيمُ له توحيدُه وتوكُّلُه وعبوديتُه. [فقه الأدعية والأذكار (3/ 187)]
قوله: «ماض في حكمك» أي: نافذ في حكمك.
قوله: «عدل في قضاؤك»؛ أي: كل ما تحكم فِيَّ فهو عدل؛ لأن العدل صفتك، والظلم محال عليك؛ والعدل: وضع الشيء في محله، والظلم خلافه.
«فقد بين أن كل قضائه في عبده عدل؛ ولهذا يقال: كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، ويقال: أطعتك بفضلك والمنة لك، وعصيتك بعلمك - أو بعدلك - والحجة لك، فأسألك بوجوب حجتك عليَّ وانقطاع حجتي إلا ما غفرت لي» [مجموع الفتاوى (18/ 140)].
«عدل فيَّ قضاؤك» أي: لا يتصرف في تلك النواصي إلا بالعدل والحكمة والمصلحة والرحمة، لا يَظلم أصحابَها، ولا يعاقبهم بما لم يعملوه، ولا يهضمهم حسناتِ ما عملوه، فهو سبحانه على صراط مستقيم في قوله وفعله، يقول الحق، ويفعل الخير والرشد» [شفاء العليل (2/ 362)].
وقوله: «عدل في قضاؤك»: يتضمن جميع أقضيته في عبده من كل الوجوه؛ من صحة وسقم، وغنى وفقر، ولذة وألم، وحياة وموت، وعقوبة وتجاوز وغير ذلك.
قال بعض السلفُ: «من كان بالله أعرفَ كان منه أخوف»، ولهذا فإن أعظم ما يطرد الهم والحزن والغم أن يعرف العبد ربه، وأن يعمر قلبه بمعرفته سبحانه، وأن يتوسل إليه بأسمائه وصفاته، ولهذا قال: «أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك»، فهذا توسل إلى الله بأسمائه كلها، ما علم العبد منها وما لم يعلم، وهذا أحب الوسائل إلى الله سبحانه. [فقه الأدعية والأذكار (3/ 188)].
قوله: «أسألك» إلى آخره، شروع في الدعاء بعد إظهار التذلل والخضوع، وهذا من آداب السائلين، وهذه الحالة أقرب إلى إجابة السؤال.
قوله: «بكل اسم هو لك» احترز به عن غير اسم الله؛ لأنه لما سأل الله تعالى بكل اسم، وهو عام لجميع الأسماء، أخرج عنه ما هو اسم لغيره بقوله: «هو لك»؛ لأن سؤال غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله لا يجوز.
قوله: «سميت به نفسك» دليل على أنه سبحانه يسمِّي نفسه بأسماء ليست مخلوقةً من صنع الآدميين. [جامع المسائل، لابن تيمية (9/ 128)].
 «أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك» أي: من الأنبياء والملائكة، «أو استأثرت به» أي: أو خصصت به نفسك في علم الغيب؛ بحيث أنه لا يعرفه إلا أنت، ولا يطلع عليه غيرك. 
وقوله: «أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري»: الربيع: المطر الذي يحيي الأرض؛ شبه القرآن به لحياة القلوب به، وكذلك شبهه الله بالمطر، وجمع بين الماء الذي تحصل به الحياة والنور الذي تحصل به الإضاءة والإشراق، فتضمن الدعاء أن يحيي قلبه بربيع القرآن وأن ينور به صدره فتجتمع له الحياة والنور؛ قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام: 122].
ولما كان الحزن والهم والغم يضاد حياة القلب واستنارته؛ سأل أن يكون ذهابها بالقرآن؛ فإنها أحرى أن لا تعود، وأما إذا ذهبت بغير القرآن، من صحة أو دنيا أو جاه أو زوجة أو ولد؛ فإنها تعود بذهاب ذلك. [الفوائد، لابن القيم، ص37].
وفي النهاية قال صلى الله عليه وسلم: «إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرجًا».
شاركها مع أحبابك ودلهم على الخير.
 

مقالات متعلقة

2024‏/03‏/17
58٬845

مناجاة النبي ﷺ ربه في جوف الليل

ذكرٌ عظيمٌ ودعاءٌ مبارَكٌ مشتملٌ على أصول الإيمان وأُسُسِ الدِّين وحقائق الإسلام، وفيه التوسُّلُ إلى الله بحمده والثناء عليه والإقرار بعبوديته

2024‏/03‏/22
34٬948

فوائد الاستغفار وأسراره في رمضان

إنَّ هذا القرآن يدلُّكم على دائكم ودوائكم، فأما داؤكم: فالذُّنوب، وأما دواؤكم: فالاستغفار.

2024‏/03‏/22
41٬807

روائع خواتيم سورة البقرة

حوت هذه الآيات الكثير من المعاني الجليلة، والمقاصد العظيمة، والدلالات الواسعة، ففي صدرها أخبر ربنا جل جلاله أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين قد أقروا بأصول الإيمان العظيمة.

مع تطبيق المصلي تعرف على المساجد القريبة أينما كنت بمنتهى الدقة

حمل المصلي الآن

مدار للبرمجة © 2022 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة